لندن - المملكة المتحدة 21/11/2018

هل نحن بحاجة إلى حوار وطني؟

خ خ خ

 يعتبر الحوار من أهم الأدوات الفعالة في التفاوض السياسي، ونبذ الخلافات والتوصل إلى اتفاق وانسجام حول القضايا التي تشكل محور اهتمام السلطة والمواطنين. فما أهمية قيام حوار وطني يشمل جميع الأطراف في السلطنة؟، وهل نحن بحاجة إلى مثل هذا الحوار أساسا؟، وهل يمكن أن تساهم وسائل التواصل الاجتماعي- كما يؤيد البعض- في خلق وإدارة مثل هذا الحوار؟. للإجابة على هذه الأسئلة المكتنفة لبعض المفاهيم السياسية علينا أن نتناول الجوانب الآتية : مفهوم الحوار الوطني، والقضايا التي تشكل محورا للحوار الوطني، ودوافع الحوار الوطني، وشروط قيام الحوار الوطني، ودور مؤسسات المجتمع المدني في هذا الحوار، وأخيرا دور وسائل التواصل الاجتماعي في هذا الحوار.

وفيما يتعلق بمفهوم الحوار الوطني يعرف الدكتور عبدالله بن ناجي آل مبارك# الحوار الوطني على أنه “الحوار الذي يجري بين أبناء المجتمع لمناقشة القضايا الوطنية من خلال مؤسسات المجتمع المدني أو الأمني، وقد يكون في مؤسسة عامة تعنى بالحوار الوطني ..”.

نجد أن التعريف السابق يركز على جانبين مهمين وهما القضايا الوطنية التي تشكل محورا للنقاش ، ودور مؤسسات المجتمع المدني او الأمني في هذا الحوار. وبالنسبة للجانب الأول فمن خلال الاطلاع على بعض تجارب الدول العربية في قضايا الحوار الوطني، نجد ان معظم  القضايا التي تشكل مادة للحوار والنقاش تصب في دعم الوحدة الوطنية، ونبذ التفرقة والخطابات الفكرية والمذهبية المتشنجة والمحرضة. وأجزم أن هذه القضايا بعيدة – ولله الحمد-  عن مجتمعنا العماني، وأن هناك حرصا داخليا لدى الأفراد والمسئولين على تجنب كل ما يثير وحدة وأمن السلطنة. إلا أن هذا لا ينفي حاجتنا لمناقشة مجموعة من القضايا الوطنية المهمة وخاصة القضايا الاجتماعية والاقتصادية بالذات. نعم هناك أسباب عديدة تجعلنا نطالب بان يكون هناك حوار شامل حول قضايا مهمة وملحة، وهي بالفعل ضرورية إلى درجة أن تجاهلها قد يؤدي إلى تزايد السخط وعدم الرضا لدى المواطنين. وقد تكون أساليب التعبير عن هذه المشاعر السلبية مقلقة بالنسبة للحكومة، كتكرار الخروج في تظاهرات أكبر تأثيرا أو اعتصامات أو مطالبات واسعة الصدى لدى المجتمع العماني، وحينها قد تلجأ الجهات المختصة إلى ممارسات سلبية للتعامل مع هذه الأحداث، وهو ما سيكون محفزا لمزيد من السخط وعدم الاتفاق.

إذا، ما هي القضايا الملحة التي نحتاج إلى إجراء حوار وطني حولها. ما هي القضايا التي يعتبر تجاهلها وعدم الجدية والجرأة في طرحها وعلاجها كالقنبلة الموقوتة التي يمكن أن تنفجر في أي وقت؟. وقبل ذلك، ما الذي يجعلنا نجزم أننا في حاجة إلى مثل هذا الحوار أساسا؟

أعتقد ان المتابع لشبكات التواصل الاجتماعي فيما يتعلق بالشأن العماني لا يمكن أن يغفل عن حالة نفسية عامة تسود لدى العمانيين وهي أننا نملك أكثر مما يملكه الآخرون، ولكننا رغم ذلك لا نجني ثمار ما نملكه من النواحي التعليمية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية. لدينا الكثير ولكنه ضائع، مجهول ومهدور. هذا الاحساس يولد شعورا من الاحباط ، آمال مخيبة وعدم رضا، وفقدان الاحساس بالعدالة الاجتماعية والأمان الاجتماعي، وعدم الثقة في الدولة، وتشكيك وسخرية مستمرة من قراراتها ومشاريعها!. نعم.. هذه المشاعر السلبية تجاه السلطة والمسئولين لا يمكن أن تخلق علاقة سليمة وايجابية بين الطرفين تقوم على الاحترام وتحقيق المصالح المشتركة للطرفين، بل إنها في تصعيد مستمر، وتؤدي إلى ردود فعل غير مناسبة في بعض الاوقات كالهجوم الشخصي واللجوء إلى السباب والشتم كطريقة لتنفيس الغضب والإحباط.

القضايا التي اعتقد انها بحاجة إلى نقاش جدي وصريح تتركز فيما يلي: الكيفية التي يتم بها توزيع الثروات في البلد ، وما هي حدود الامتيازات والهبات التي يتحصل عليها الوزراء والمسئولين في الدولة؟. وما هي أوجه انفاق الاموال العامة، وكيف يتم صرفها من أجل حالات تتعلق بمسئولي الدولة؟. وهل الثروات في البلد ملك للمواطنين أم ملك للسلطة؟.

إذا كانت هذه الثروات ملكا للسلطة تتصرف بها وتديرها كيفما تشاء؛ فإذا لا مبرر لترديد شعارات الوطنية وحب الوطن والأمن والأمان وغيرها، ففي هذه الحالة يمثل المواطنين – وهم الاغلبية – مجرد عالة على الدولة ولا يملكون فيها حقوقهم كاملة ، وبالتالي لن تنجح الدولة في تذكير المواطنين بواجباتهم تجاه الدولة أو بتنمية حس المسئولية الاجتماعية. وإذا كانت هذه الثروات حق مشتركاً لكل من يقيم على هذه الأرض؛ فإنه يصبح من حق المواطن معرفة كيف تدار ثرواته، وكيف يتم صرفها، وما هي الضمانات التي يتم تقديمها في سبيل عدم حصول تجاوزات في إدارة وصرف هذه الثروات، إلى جانب مراقبة الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية، وعقد صفقاتها وأدائها وتأثيرها على الدولة سواء تأثيرها على المواطن او البيئة حوله.

من القضايا الملحة أيضا غياب الكفاءات واعتماد المحسوبية، وغياب العدالة الاجتماعية بين موظفي الدولة من مختلف الوزرات والوحدات الحكومية من حيث مساواتهم في الهبات والامتيازات والحوافز التي يحصلون عليها. وبالتالي لا بد مثلا من سن التشريعات التي تساهم في تحقيق العدالة الاجتماعية، ويعتبر ديوان البلاط السلطاني أوضح الامثلة على ذلك من حيث تمتع المنتسبين إليه بميزات تفوق أقرانهم في الوزارات الأخرى. تدهور القطاعات التعليمية والصحية برغم توفر الامكانيات المادية الجيدة ووجود كفاءات بشرية إلا اننا لم نوفق في ايجاد الترياق الملائم لوقف هذا التدهور. إلى جانب الفساد المستشري في الدولة في كل النواحي تقريبا وغياب المحاسبة والعقاب للمخالفين. وأبرز الأمثلة على ذلك: هو ما يتكشف بين فترة وأخرى عن قضايا توزيع المساكن والأراضي والتلاعب الذي يتم فيها دون معاقبة المسئولين عنها مما يشجع على الفساد ، فالعقوبات لا تعتبر رادعا إذ كانت دون مستوى الجرم المرتكب، والجزاء لابد ان يكون من جنس العمل، وإلا أعتبر مخاطرة وثمنا يمكن دفعه لارتكاب المزيد من المخالفات وتكديس الثروة والاموال. غياب الاهتمام والعدالة في تطوير المناطق والمحافظات ورفدها بالمشاريع الترفيهية والتثقيفية وربما محدودية الخدمات المتوفرة فيها.

من المهم جدا ونحن نتلمس طريقنا في قضية الحوار الوطني هو التوقف عند الشروط التي تضمن نجاحه ومن أهمها إقرار السلطة بادئ ذي بدئ برغبتها الجادة في إنجاح مثل هذا الحوار. ورغم ان السلطة قد لا ترى أنها بحاجة إلى إجراء مثل هذا الحوار كونها الطرف الأقوى في المعادلة، إلا أن هذا الحوار لا يحقق فقط مطالب المواطن؛ ولكنه ضروري لاستقرار السلطة وتقويته محليا وخارجيا. يبقى التخوف من عدم التزام الاطراف المشاركة بالشفافية والصراحة قائما خاصة في مجتمع يحتفي بشكل كبير بالترويج الإعلامي والدعائي لأنشطته الوطنية ويهدر في سبيلها اموال الدولة ومواردها حتى قبل تحقق أي هدف منها بشكل ملموس.

وإذا ما أتينا لدور مؤسسات المجتمع المدني فإننا نجد أنها تتحمل مسئولية إدارة مثل هذا الحوار مع السلطة، ولكن بغياب هذه المؤسسات أو وجودها بصورة شكلية؛ فإن الأفراد لن يجدوا من يحمل صوتهم ومطالبهم ليناقشها بشكل قانوني وعقلاني. اللجان التطوعية ولجان حقوق الانسان مثلا وغيرها لا يجب ان تكون مرتبطة بالحكومة، ولا يجب أن يكون العاملين فيها ممن تربطهم مصالح مشتركة مع السلطة؛ مما قد يؤدي إلى تضارب المصالح فلا بد من استقلالية هذه المؤسسات ومن يقوم بإدارتها. وحين نقول باستقلالية هذه المؤسسات فإنه يجب التذكير ان اقصاء الناشطين فيها سواء بالتجاهل الإعلامي أو بالإقصاء الوظيفي والاجتماعي لا يجب أن يمر مرور الكرام، ولا بد من ضمانات تحمي الحقوق الشخصية للناشطين والحقوقيين.

وفيما يتعلق بدور وسائل التواصل الاجتماعي في خلق وإدارة الحوار الوطني فإن توجيه مثل هذا السؤال أساسا يلقي بظلال قاتمة على دور وسائل الاتصال التقليدية. فما الذي يجبر المهتمين إلى اللجوء الى وسائل التواصل الاجتماعي والصحف الالكترونية لمناقشة مثل هذه القضايا؟. أليس لأن الوضع الإعلامي لا يوفر مساحة مشابهة لإجراء مثل هذا الحوار؟. أليس لأن قرارات وزارة الإعلام عملت طيلة السنوات الماضية على تقييد وسائل الاتصال المحلية التقليدية فيما يجب أن تنشره وما يجب أن تتغاضى عن نشره؟ إذا كيف نتوقع نجاح أي حوار وطني إذا كانت هناك قيود ما زالت تمارس على اهم وسائل الاتصال والحوار ذاتها؟

ومن جهة أخرى، فإن وسائل التواصل الاجتماعي قد تساهم بالفعل في الدعوة إلى الحوار الوطني ووضع أجندته وأولوياته وتوعية المواطنين بقضايا اساسية مهمة في المجتمع. ولكن يبقى السؤال إلى اي مدى يمكن ان تلتزم هذه الوسائل بالحوار الجاد والهادف دون أن تسقط في فخ التراشق والصراع اللفظي والإساءة والشتم؟. ويؤسف القول أنه ليست جميع الفئات المشاركة في هذه الحوارات قادرة على الالتزام باحترامها، والاحتفاظ برصانتها ولغتها المعتدلة في التبليغ عن أهدافها، وليست جميعها تتميز بالوعي والنضج والمعرفة والقدرة على إدارة حوار على مستوى وطني ، خاصة حين تتداخل الشائعات والقيل والقال مع الحقيقة، ومن ثم تنتشر في فضاءات واسعة حقائق رمادية تترك تأثيرا سلبيا مضاعفاً. وبالتالي أجد ان التواصل الشخصي على مائدة واحدة وجهاً لوجه هو أفضل السبل لمناقشة قضايانا ومشاكلنا.

#مدير الإشراف التربوي في إدارة التربية والتعليم في الرياض.

أمامة اللواتية

أمامة اللواتية
أكاديمية وباحثة في الإعلام والعلاقات العامة

2 تعليقان

  1. مصطفى آل حميد

    تعليق على موضوع الأخت أمامة اللواتية بشأن موضوعها: هل نحن بحاجة الى حوار وطني .
    فأقول: نعم .. لأنه بغياب حوار عقلاني بناء و يهدف الى الإصلاح ، فإن القوى الغوغائية ستملآ الفراغ .. و هذه القوى الغوغائية هي قوى سلبية محضة و إن كانت صاحبة حق في بعض الأحيان إلا أنها لا ينتج منها إلا الأضرار و إفساد كل شيء.
    و لكن للحوار البناء ايضا شروط و أركان و لضمان نجاحه يجب أن يكون متبادلا و بين أطرافه المختلفة . فالمواطن ركن في منظومة الدولة بالإضافة الى الوطن (الإقليم) ثم النظام الحاكم بسلطاته الثلاثة ، فإذن يجب أن يجري الحوار بين المواطنين من جهة و الحكومة و النظام من جهة أخرى. و لا يمكن أن يقوم حوار وطني إذا لم يكن طرفاه المواطن و الحكومة

  2. مقال جميل و يبعث على التامل. اعتقد من المهم التعريف بالمقصود من “الوطني”. هل هي القضايا المتعلقة بالفساد فقط ؟ و هل يمكن ان نصنف موضوع “غياب العدالة الاجتماعية بين موظفي الدولة” كموضوع وطني باعتبار ان الكثير من المواطنيين لا يعملون بالقطاع العام بل بالخاص فالتالي الموضوع ليس وطني من زاوية الافراد المتأثريين بالموضوع.
    ماذا عن الصحة و النعليم و البنية الاساسية للبلد. ايضا : ما دور مجلس الشورى بالنسبة للحوار الوطني.
    شكرا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

القائمة الرئيسية