لندن - المملكة المتحدة 21/11/2018

الحبس الاحتياطي

خ خ خ

من بين أهم القضايا التي برزت في العصر الحديث، وتحديداً في بلد يُعد مدرسة قانونية مستقلة هي فرنسا، قضية الاغتصاب التي قدم فيها عدد (17) متهماً بتهمة اغتصاب قاصرات دون الخامسة عشر من عمرهن ، والتي ذهب القضاء من خلالها إلى إعلان براءة عدد (13) متهماً، سبعة منهم أمام المحكمة الأولى وستة أمام محكمة الاستئناف. وذلك بعد أن قضى اثنان من المعلن براءتهم مدة حبس احتياطي زادت على الثلاث سنوات، وستة قضوا أكثر من سنتين. وحيث أن أحكام البراءة جاءت بعد حبس احتياطي طويل، الأمر الذي ذهب بالبرلمان الفرنسي إلى اقتراح تعديلات تطال قانون الإجراءات بغية معالجة الإجراء الاستثنائي الخطير المتمثل في الحبس الإحتياطي الذي اكتوى به المعلن براءتهم في المثال المتقدم.

إن الحبس الاحتياطي في معناه القانوني هو سلب لحرية شخص متهم بارتكاب جريمة، وذلك بإيداعه أحد المحابس أو السجون لحين الانتهاء من التحقيق الذي يجري  في مواجهته جرّاء الجريمة المنسوبة إليه .

وعلى هذا المعنى ذهب المشرع العماني في تفصيل معنى الحبس الاحتياطي عندما تناوله في الفصل الثاني من قانون الإجراءات الجزائية من المواد (53) ولغاية المادة (63).

ومن الوهلة الأولى لمطالعة الحبس الاحتياطي، يبصر الناظر من خلاله أنه عقوبة سالبة للحرية وإجراء خطير، ولذلك استقر الفقه  القانوني على أنه “إجراء احتياطي استثنائي”، الأمر الذي جعله مقيداً في أضيق الحدود محاطاً بضمانات قانونية كثيرة تعمل على الحد من الإسراف فيه.

ولما كانت الغاية التي يستهدفها الحبس الاحتياطي هي منع تشويه أو تحريف أو التأثير على الدليل؛ فإن الخروج عن هذه الغاية يعد تعسفاً غير مبرر يعمل على تقريب المتهم من المحكوم عليه ويلقي عليه بأضرار نفسية ومجتمعية جسيمة ويحدث شرخا في جسد  العدالة.

ولذلك فإن من بين أهم المعايير التي تعمل على ضبط وتحجيم الحبس الاحتياطي: معيار العقوبة أو الجريمة التي يصدر الحبس بشأنها؛ فكلما زادت عقوبة الجريمة كلما قل أثر الحبس الاحتياطي. والمثال على ذلك، القانون المصري الذي اشترط لصدور الأمر بالحبس الاحتياطي أن تكون التهمة جناية أو جنحة لا يقل حدها الأدنى عن سنة . في حين أن بعض القوانين ذهبت إلى أبعد من ذلك عندما اشترطت أن لا يقل الحد الأدنى للجريمة عن سنتين حتى يصح إعمال الحبس الاحتياطي فيها.

وذهب المشرع العماني مذهباً موسعاً من الحبس الاحتياطي عندما نص في المادة (53) ((… ولا يجوز الأمر بالحبس الاحتياطي إلا إذا كانت الواقعة جناية أو جنحة معاقباً عليها بالسجن مدة تزيد على ثلاثة أشهر ))، بمعنى أن أية تهمة تزيد عقوبتها عن الثلاثة أشهر يجوز أن يحبس متهمها احتياطيا .ولما كنا نمني النفس لأن تكون تلك المادة موضع نظر في مستقبل الأيام لتتماشى ولتنسجم مع الغاية من الحبس الاحتياطي التي رسمها المشرع في ذات المادة . يفجأنا المشرع بتعديل يطال ذلك المعيار من خلال المرسوم السلطاني الرقيم بـ96/2011م والذي نص على التالي ((… ولا يجوز الأمر بالحبس الاحتياطي إلا إذا كانت الواقعة جناية أو جنحة معاقب عليها بالسجن)). أي إنه تم إلغاء معيار الثلاثة أشهر، مما يعني التوسع في إعمال الحبس الاحتياطي بل إطلاقه على مستوى الجنحة.

ولما كانت ( الجنحة ) في القانون العماني بدلالة المادة (29) من قانون الجزاء مقروءة مع المادة (39) تبدأ عقوبتها من عشرة أيام وتنتهي عند الثلاث سنوات، فلكم أن تتصوروا متهماً يواجه تهمة عقوبتها شهر أو أقل يعمل على حبسه احتياطيا مدة قد تصل إلى الثلاثين يوماً أو أكثر في بعض الحالات!!. أي أن تتجاوز أو تتساوى مدة الحبس الاحتياطي مع مدة العقوبة الأصلية للتهمة الصادر فيها الحبس. إن الأصل في الحبس الاحتياطي أنه إجراء بغيض يحمل ماضي ملوث، يتناقض مع مقتضيات احترام الحرية الفردية المفترضة وقرينة البراءة المنبثقة من الفطرة البشرية المجبول عليها بني البشر الأمر الذي نرى من خلاله أن هذا التوسع قد يضر بالعدالة ذاتها ويفرغ الإجراء من الغاية التي رسمها المشرع ، وذلك من حيث أنه قد يتحول إلى وسيلة ضغط  وإكراه بغية  التحصل على دليل الإدانة من المتهم .

والأمثلة على ذلك كثيرة من بينها: أذكر قضية في العام المنصرم بمحكمة مسقط الابتدائية حيث تم حبس المتهمة (أ) احتياطياً لمدة وصلت إلى ما يقارب الـ (48) يوما ً، ثم مثلت أمام المحكمة دون أي دليل تواجه به لتعلن براءتها. وبسؤالها عن آلية التحقيق معها ، أفادت : أنه طيلة أيام الحبس لم تستجوب سوى ثلاث مرات ، وبأسئلة تجتر نفسها. الأمر الذي جعلها تتسائل وبحسرة: لماذا كنت أقبع في الحبس الانفرادي الاحتياطي؟ ما هي القيمة التي أضافها الحبس الاحتياطي على مستوى عدم تشويه الدليل؟!. وأخيراً تقول : من يعوضني عن تلك الأيام السوداء ؟!

إن الحرية الفردية مقدسة ومصونة وليس هناك من مبرر للتضحية بها دون مستوى الحكم القضائي المقرون بكافة الضمانات القانونية. منطلقين من النظام الأساسي ذاته الذي نص على أن الأصل في المتهم البراءة.

ويبرز انعدام الأثر القانوني الحقيقي للحبس الإحتياطي في بعض الجرائم أكثر من غيرها، والمثال على ذلك الجرائم القائمة على تقنية المعلومات، والتي يتجلّى فيها الدليل بشكل كبير من خلال الدليل الفني ( التقني ) المرتبط بالأجهزة، التي غالبا ما تمثل وعاء الجريمة. وحدث أن حبس ( س ) احتياطيا لمدة طويلة في جريمة هي نتاج مواقع التواصل الإجتماعي(تويتر) وذلك بعد أن تم ضبط وتحريز أجهزته الإلكترونية { الهاتف + الحاسوب }.

ليطرح السؤال الأهم: ما هي الغاية من حبسه احتياطيا ، وقد صارت مفترضات دليل الإدانة في حوزة جهة التحقيق, لا يمكن العبث بها أو تشويهها!!!

إن الإيمان ببراءة المتهم من حيث الأصل، والإيمان بقداسة حرية الإنسان، تحتم علينا إعادة النظر في الصياغة التشريعية للحبس الاحتياطي، حتى لا يكون أداة بطش في يد طالبي الحقيقة دون قيد الإجراء.

سامي السعدي

محامي

تعليق واحد

  1. منصور ناصر

    مفهوم الادعاء العام في عُمان مغاير عن كل الذي نعرفه في الأنظمة الحرة الديمقراطية ، وهذه نتيجة طبيعية حيث الادعاء العام يغدو اتّهام عام ، حيث يقوم بالدفاع عن النظام الذي يتبنى حكم استبدادي لكونه لا يسمح بتداول السلطة عبر الانتخابات…..
    فعوضا عن أن البلاغ (بفساد ما) كاف للتحقيق من قبل قضاة التحقيق نظرا لجسامة الأمر على الدولة والمجتمع ..فهو سيرفض من الادعاء لأنه بلا دليل من المبلغ عنه …وهذا يتناقض مع ماهية الادعاء في الدول الحرة حيث يكفي البلاغ للتحري والتحقق الدقيق وإذا تبين أن البلاغ على حق أو أنه كشف عن أمر مستور آخر باشر الادعاء بتبني القضية ضد مقترفيها …..وهذا مالا يحصل في عُمان …..فوجود الادعاء العام بصورته الحالية هو يماثل الهيئة والنمط التي كان عليها في مصر أثناء حكم مبارك ، حيث لم يتغير كثيرا في أيام الرئيس المنتخب الأول في الوطن العربي ، إذ أن الثورة لم تكتمل في إنهاء بؤر التخلف والتآمر والفساد…..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

القائمة الرئيسية