لندن - المملكة المتحدة 25/09/2018

الناشط مراد الحايكي: غياب المشاركة الشعبية والفساد أبرز أسباب الأزمة الاقتصادية… والحكومة تتحكم بالعملية الانتخابية والسياسية

خ خ خ

مملكة البحرين مقبلة خلال حوالي ثلاثة أشهر على انتخابات نيابية وبلدية تعد الخامسة منذ عودة الحياة النيابية إلى البلاد في 2002، وأبرز ما يميز هذه الدورة عن تلك سبقتها هي الظروف السياسية والاقتصادية التي غيرت ملامح الساحة المحلية. فاليوم لا يوجد أي حوار قائم بين الحكومة والمعارضة بل قد تم حل 3 جمعيات سياسية معارضة خلال الأربع سنوات الأخيرة، ليبقى في الساحة فقط 5 جمعيات سياسية رئيسية التي انحسر دورها أيضاً خلال الفترة نفسها. كما يوجد توجس من المواطنين من إجراءات الحكومة الاقتصادية منها رفع الدعم عن بعض السلع الاستهلاكية وتغيير قانون التقاعد والتحول إلى نظام ضمان صحي في ظل تذمرٍ عام من الدور الضعيف للبرلمان.

ما أبرز تداعيات الأوضاع الاقتصادية على الانتخابات القادمة؟ وما دور المعارضة أو ما تبقى منها في الانتخابات؟ ولماذا تبدو التجربة الديمقراطية في البحرين ذاهبة إلى الانحدار؟ هذه الأسئلة وغيرها ستكون المحاور الأساسية في حوارنا مع الناشط السياسي مراد الحايكي.

 

حوار: بدر مبارك النعيمي

  • المواطن البحريني تأثر بشكل مباشر من إجراءات الحكومة الاقتصادية التي تستهدف معالجة عجز الميزانية بأموال من جيب المواطن
  • مجلس النواب عاجز عن القيام بدوره وحتى من أن يكون ظاهرة صوتية تقف مع مصالح المواطنين وأن يحمل طرحا مغايرا عن الحكومة
  • النظام البحريني هو المسؤول عن ضعف أداء مجلس النواب بقيامه بإضعاف دور الجمعيات السياسية ودعم المرشحون “المستقلين”
  • بعد ظهور دعوات جديدة لمقاطعة الانتخابات اتهمت الحكومة البحرينية قطر وبعض المواطنين بقيام بحملة دعائية هدفها “الإضرار بالسلم الأهلي”
  • النظام البحريني ينظر إلى البرلمان كأداة علاقات عامة أمام المجتمع الدولي ولا يعير اهتماما إلى فاعلية التجربة الديمقراطية
  • على المعارضة الانخراط في تقييم شامل للمرحلة السابقة بما فيها من إيجابيات وسلبيات ووضع استراتيجية جديدة تتسق مع تطلعات شعب البحرين بوضع اعتبار للظروف الداخلية والإقليمية معاً
  • غياب المشاركة الشعبية وانتشار الفساد والاعتماد المفرط على النفط أهم الأسباب التي أدت إلى الأزمة الاقتصادية الحالية
  • التجنيس السياسي هدفه جعل المواطن البحريني أقلية في وطنه ويخسر كل وسائل الضغط على الحكومة
  • رغم محدودية صلاحيات البرلمان نجد الحكومة تتدخل وتتحكم في مخرجات العملية الانتخابية من خلال توزيع الدوائر الانتخابية ودعم المرشحين
  • كل من تجربتي البحرين والكويت فشلتا في بناء دولة المؤسسات والقانون وحلحلة ملفات رئيسية وخلق أجواء ديمقراطية حقيقة
  • الحكومة البحرينية أسهمت في توفير تربة خصبة للطائفية لما وجدت فيها من وسيلة فعالة تساعدها في تمكين قبضتها على كافة مفاصل الحكم
  • قيادات الطوائف تريد استمرار وجود حالة “طائفية” تسهم في تقوية مكانتها وامتيازاتها لدى الطائفة وسلطتها عليها، فكلما تعمقت الحالة الطائفية في المجتمع، كلما تضخمت قوة تلك القيادات وتوسع تأثيرها
  • الحل للأزمة يكمن في الشراكة والرجوع إلى ما تم التوافق عليه في ميثاق العمل الوطني – تفعيل بند “مملكة دستورية على غرار الممالك الدستورية العريقة” ومبدأ “الشعب مصدر السلطات”.

 

إلى نص الحوار:

 

١- أولاً لنضع الأمور في سياقها، البحرين تمر الآن في مرحلة التجهيز للانتخابات النيابية والبلدية التي ستعقد في نوفمبر 2018، وذلك في ظل حل 3 جمعيات سياسية معارضة وانحسار دور الجمعيات السياسية بشكل عام في الساحة. ما أبرز توقعات مراد الحايكي بشأن نتائج الانتخابات وإفرازاتها؟

يأتي انعقاد الانتخابات البرلمانية هذا العام في ظل ظروف اقتصادية صعبة تشهدها البحرين، تأثر بها المواطن بشكل مباشر بعد أن اتخذت الحكومة عدة إجراءات منها رفع الدعم الحكومي عن بعض السلع الرئيسية التي أدت إلى تآكل أكثر لرواتب المواطنين ومدخراتهم. وفي الوقت نفسه، يبدو أن الحكومة مصرة بمعالجة عجز الميزانية من جيب المواطن أولاً كما نرى في مشاريعها المتعلقة بقانون التقاعد والصحة، وغيرها من “مشاريع الإصلاح الاقتصادي”، ومن خلال فرض رسوم ومخالفات مالية عالية في العديد من القطاعات.  ومع حزمة المشاريع التي تتبناها الحكومة لمعالجة الوضع الاقتصادي أثبت مجلس النواب الحالي بأنه عاجز تماماً من أن يكون حتى ظاهرة صوتية تقف مع مصالح المواطنين وأن يكون له رأي وطرح مغاير فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي وسبل معالجته، مما أدى إلى زيادة حالة التذمر حول أداء النواب من غالبية شرائح المجتمع البحريني.

ومن المهم الإشارة إن هذا “العجز” في أداء النواب يرجع سببه الرئيسي لبعض السياسات والتكتيكات التي قام بها النظام في البحرين، أضعف من خلالها دور الجمعيات السياسية بشقيها المعارض والموالي، من خلال الدفع بما يسمى “بالمستقلين” الذين يشكلون اليوم أغلبية في البرلمان. ومع تزايد السخط العام على التجربة الانتخابية بشكل عام وأداء النواب بشكل خاص، وارتفاع الأصوات الشعبية الداعية لمقاطعة الانتخابات القادمة، قامت الحكومة باتهام قطر وعدد من المواطنين البحرينيين الذين لم تقم بتسميتهم، بالوقوف وراء الحملة الداعية لمقاطعة الانتخابات والترويج لقضايا مثل التجنيس السياسي وقانون التقاعد الجديد بهدف “الإضرار بالسلم الأهلي”.

وهذا المؤشر دليل واضح على أن السلطة في البحرين متخوفة من أن تشهد الانتخابات المقبلة نسب مشاركة متدنية تزيد من ضبابية المشهد السياسي والاقتصادي الحالي في البلاد. ومن الممكن أن يؤدي هذا التخوف من دفع السلطة في البحرين للتنازل قليلاً عن دعم بعض “المستقلين” بهدف وصول بعض مرشحي الجمعيات السياسية القريبة منها، وبالأخص جمعيات الإسلام السياسي التي لديها القدرة في حشد وتشجيع فئات كثيرة من المجتمع للتوجه لصناديق الاقتراع، لكن يبقى التحدي في كيف ستتعامل السلطة مع جمعية المنبر الإسلامي المحسوبة على تيار الإخوان المسلمين المحارب حالياً من قبل الداعمين الرئيسين للنظام في البحرين، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

أما في حال بقاء سياسة السلطة على ما هي وتفضيلها لمجلس “مستقلين”، فمن المتوقع أن تشهد الانتخابات القادمة نسب مشاركة متدنية للغاية قد تسهم في تغيير الحالة السياسية في البحرين خلال السنوات الخمس القادمة. وبالنسبة للمعارضة، فيبدو من المؤكد أن تيار الوفاق وجمهوره سوف يقاطع هذه الانتخابات، إلا أنني لا أعتقد بأنهم سيقومون بحملة شبيهة بحملة “صفروها” التي تبنتها الوفاق في العام ٢٠١١، وذلك لاعتبارات أمنية لقيادات الوفاق الموجودين داخل البحرين.

أما بالنسبة لتيار وعد، فلا يوجد حتى اليوم موقف واضح من الانتخابات المقبلة، إلا أنني أعتقد بأن قيادات التيار (وعد) سوف تشارك في بعض الخيم والمجالس الانتخابية تحت شعار “نحن موجودون وقريبون من الناس” إذا ما اتخذ قرار المشاركة. بالطبع لن تكون مسألة حضورهم تلك الخيم والمجالس بهذه السهولة، حيث من المؤكد بأن السلطة ستعمل على حث أصحاب تلك الخيم والمجالس على عدم فتح المجال لأعضاء الجمعيات المنحلة وبالأخص وعد للمشاركة في فعالياتهم الانتخابية، وتخوين من سيقوم بذلك.

 

٢- أعلنت جمعية المنبر التقدمي العام الماضي نيتها للمشاركة في الانتخابات القادمة، وهي اليوم الجمعية المعارضة الوحيدة التي أعلنت موقفاً رسمياً من الانتخابات. ما توقعات مراد الحايكي لحظوظ فوزها وتأثيرها على الناخبين؟

يصعب التنبؤ للإجابة على هذا السؤال دون معرفة الدوائر الانتخابية التي سيترشح فيها مرشحو المنبر التقدمي وإن كانوا سيواجهون في تلك الدوائر مرشحين من جمعيات قريبة للسلطة. وبغض النظر عن ذلك، أشك في أن يكون لمشاركة المنبر التقدمي أي تأثير يذكر على الناخبين ولا أعتقد بأن ما ستطرحه الجمعية من برنامج انتخابي سيخرج عن سقف المواضيع الذي تسمح به السلطة.

 

٣- شرعت الحكومة مؤخراً قانونا يمنع أعضاء الجمعيات السياسية المنحلة (العمل الإسلامي، الوفاق، وعد) من التشرح للانتخابات وعضوية الأندية الثقافية والرياضية، فإذا أصبحت الأبواب مغلقة أمام الجمعيات السياسية والإصلاحيين ومنعوا من المشاركة في الانتخابات أو حتى حضور الحملات الانتخابية، فما السبل المتاحة الآن للتفاعل مع الشأن العام؟

هناك العديد من الوسائل التي ممكن أن تستخدمها الجمعيات المنحلة بهدف التفاعل مع الشأن العام. موسم الانتخابات النيابية ورغم أهميته كساحة للالتقاء بمختلف أطياف المجتمع والتفاعل معهم حول أهم القضايا السياسية والمعيشية، إلا أن هذا الموسم قصير للغاية. إن الخطوة الأولى التي يجب على قيادات الجمعيات المنحلة القيام بها هو الانخراط في تقييم شامل لتجربة ما بعد ميثاق العمل الوطني إلى الآن، والنقد الذاتي “للأخطاء” والإخفاقات التي ارتكبت خلال هذه المرحلة وتحديد مكامن الضعف والقوى، وعلى أساس ذلك، وضع استراتيجية تتسق مع تطلعات شعب البحرين والمرحلة الحالية والظروف الداخلية والإقليمية معاً.

وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون عناصر تلك الجمعيات متواجدة في كافة المناسبات الاجتماعية، تطرح رؤيتها لأبرز قضايا البلد. كما أن على تلك العناصر أن تكون حاضرة إعلامياً وخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي لتقدم مواقف تياراتها وتحليلا واعيا ومتزنا حول كافة القضايا.

٤- القضايا الاقتصادية أخذت مساحة كبيرة من الجدال والنقاش في أوساط المواطنين البحرينيين، بينها قانون التقاعد الجديد والضمان الصحي وغيرها من المشاريع التي تأتي ضمن برنامج الحكومة للإصلاح الاقتصادي. ما الذي يثير قلق المواطن إزاء هذه المشاريع بالضبط؟

الحديث عن الإصلاح الاقتصادي يتطلب وضعه في سياقه التاريخي، من حيث الكيفية التي أدارت بها الحكومة اقتصاد البلد منذ ظهور النفط، فالأخطاء التي مرت بها عملية التنمية وغياب المشاركة الشعبية كان لها دور رئيسي، في تقديري، في تردي الأوضاع. ومن جهة أخرى استمرار الدولة في الاعتماد على ريع النفط في تمويل الموازنة العامة دون أن يترافق ذلك مع خطط وبرامج من شأنها أن تعزز الميزانية العامة بعوائد غير نفطية، كان أيضاً لها أثر واضح. كما لا يمكن أن نتجاهل حجم الفساد في إدارة أموال الدولة والتي يكشف عنها تقرير ديوان الرقابة المالية سنوياً. كل تلك الظروف وغيرها تؤدي بطبيعة الحال إلى نتائج وخيمة على الاقتصاد وتوصل بالبلاد إلى ما نحن عليه اليوم.

الآن، وفي محاولة الحكومة لتخفيف آثار أخطائها السابقة في إدارة مقدرات الدولة، فإنها تستهدف جيب المواطنين بالدرجة الأولى من خلال تشريعات كفرض الضرائب وإعادة تسعير بعض الخدمات العامة، بيع القطاع العام في إطار مشاريع الخصخصة، تحرير أسعار بعض السلع والخدمات الرئيسية، ويأتي مشروع قانون التقاعد الجديد ومشروع الضمان الصحي في هذا السياق. بالمقابل لا نرى أي جهد من الحكومة في تقليل أو وقف الهدر المالي في الصرف على مشاريع رياضية أو معارض لا تحقق للاقتصاد الوطني أي قيمة مضافة، بل على العكس تستنزف من موارد الدولة.

من هنا يأتي قلق المواطن على معيشته اليومية وعلى مستقبله ومستقبل الأجيال القادمة، ويتساءل، أنا لم أكن السبب في كل ما حصل، وحينما كانت عوائد النفط عالية لم استفد من تلك العوائد، فلماذا يتم اليوم تحميلي مسؤولية فشل الدولة في الإدارة!

فحينما انتعش الاقتصاد المحلي مع ارتفاع اسعار النفط قبل عشر سنوات تقريباً، لم ينعكس ذلك الانتعاش على المواطن من خلال توفير فرص عمل جديدة وتحسين للخدمات العامة، بل على العكس تم فتح البلد لعشرات الألوف من الأجانب سواء من خلال عمليات التجنيس السياسي أو من خلال فتح الأبواب لاستقدام العمالة الوافدة بالحجم الذي يراه كل من يعيش على أرض البحرين اليوم.

ويجب أن أستدرك هنا ونحن نتحدث عن التجنيس السياسي أن الهدف من عمليات التجنيس هو تغيير التركيبة الديموغرافية للبحرين. ولا اقصد هناك التغيير المذهبي فحسب، أي ان الحكومة تستهدف تجنيس السنة على حساب الشيعة، فالتجنيس السياسي هدفه في تقديري جعل المواطن البحريني أقلية في وطنه، واستبداله بجمع مُجنسة ولائها المطلق لما تتحصل عليه من فوائد لقاء حصولها على الجنسية، إضافة إلى تشكيلها حائط صد أمام أي حالة مطلبية للمشاركة الشعبية أو تحسين ظروف الحياة، ولنا في ما يسمى باتحاد الجاليات الأجنبية خير دليل. بمعنى آخر، أن القوة السياسية والقوة الاقتصادية تصبح في يد الأجنبي وبالتالي لا يصبح للمواطن أي وسيلة ضغط يمكن أن يمارسها على الدولة.

أعود مرة أخرى لمشروع قانون التقاعد. كشفت العديد من التقارير الصحفية وكذلك تقارير ديوان الرقابة المالية عن جيوب للفساد في هيئة التأمين الاجتماعي وعن سوء في إدارة استثمارات المؤمن عليهم، والحكومة شريكة في ذلك بسبب عدم اتخاذها لأي إجراء سواء للتحقيق أو محاسبة المتسببين، واليوم تأتي لانتقاص حقوق المؤمن عليهم وزيادة نسبة الاشتراكات عليهم، ومنح مجلس إدارة هيئة التأمين الاجتماعي أحقية تعديل نسب الاشتراكات في نظام التقاعد بعد أن كان تحديد تلك النسب يتم من خلال قانون، علماً بأن الموظفين أو العمال غير ممثلين في هذا المجلس، ما يجعل الحكومة هي المتحكم الرئيسي في قرارات الهيئة، فكيف يمكن الوثوق مرة أخرى في إدارة فشلت سابقاً في إدارة أموال المتقاعدين وأن أمنحها حرية أكبر في إدارة هذا المرفق الهام. أما التأمين الصحي والتوجه بخطوات متسارعة نحو تخصيص قطاع حيوي ومهم للغاية لدى كافة المواطنين والمقيمين في البحرين، فإن نتيجة ذلك ستكون حتماً تردي أكثر للخدمات الصحية وعدم إمكانية حصول أعداد كبيرة من المواطنين للرعاية الصحية والعلاج الطبي المناسب، وذلك بسبب غياب الشفافية والمحاسبة والمشاركة الشعبية في هذه المشاريع.

فالمواطن يتسائل، لماذا إلى اليوم ورغم إخفاق المسؤولين المعنيين بالملفات الاقتصادية والصحية والمعيشية الأخرى في البلد، والعجز الكبير في ميزانية الدولة وكثرة ملفات الفساد التي يوثقها سنوياً تقرير ديوان الرقابة المالية، لم يتم محاسبة أي من أولئك المسؤولين!

 

٥- إذا كان المجلس حسب ما تقول “عاجزًا” وغير فاعل ولا توجد جدوى من الانتخابات فلماذا تصر الحكومة على تحشيد الناس إلى صناديق الاقتراع لدرجة أنها جنست أجانب بهذا الهدف؟

من الواضح أن الحكومة أو النظام السياسي في البحرين ينظر إلى العملية الانتخابية والمجلس النيابي كأداة “علاقات عامة” ليس أكثر. أي أخبار “سلبية” حول الانتخابات في البحرين مثل العزوف عن التصويت وانخفاض نسبة المشاركة عن مستوى٥٠٪ يؤثر على “الصورة” التي يحاول النظام رسمها، وهذا هو السبب الرئيسي وراء تحشيد الناس.

مع بداية “المشروع الإصلاحي” صرح وزير شؤون مجلس الوزراء حينها بأن على المعارضة أن “تنشغل” بالسياسية ولا “تشتغل” بها. وهذا التصريح كما يتضح اليوم هو استراتيجية الحكم عندما يتعلق الأمر بالعمل السياسي.

 

٦- توجد ظاهرة في الانتخابات تُعرف بـ “المال السياسي” أي تقديم المرشحين البضائع الاستهلاكية أو الأموال بشكل مباشر إلى الناخبين بهدف كسب دعمهم في الانتخابات. هل تتوقع ظهور هذه الظاهرة مجدداً لا سيما مع الأوضاع الاقتصادية أم ترى أن المواطنين وصلوا إلى مستوى من الوعي والنضج الذي يصعب حدوث مثل هذا الأمر؟

نعم هناك من يقدم بعض “المساعدات” لسكان دائرته الانتخابية، إلا أنني لا أعتقد بأن هذه الظاهرة أثرت في نتائج الانتخابات السابقة، ومواجهة عملية شراء الأصوات يجب أن تتم مواجهتها بشكل حاسم فالبلد لا ينقصها المزيد من الفساد.

ولكن الموضوع الأكبر فيما يتعلق بـ”المال السياسي” هو ما تنفقه أطراف الحكم لدعم كتل أو تجمعات أو أفراد يترشحون للانتخابات النيابية من جهة، وتحكم الدولة في مفاصل العملية الانتخابية من جهة أخرى من خلال توجيه العسكريين أو المجنسين حديثاً في التصويت لجماعات أو أفراد محددة بعينها، هذه المسألة هي من أفسدت العملية الانتخابية وزادت سوأها سوءًا. فالجميع على وعي بأن قواعد اللعبة السياسية في البحرين محدودة جداً، فحتى البرلمان الذي يُفترض فيه أن يراقب أداء الحكومة ويحاسبها، نجده في كثير من الأحيان ملكيًا أكثر من الملك، ويدافع عن الحكومة أكثر من الحكومة نفسها، ورغم الصلاحيات المحدودة للبرلمان، نجد أن الدولة تتدخل وتتحكم حتى في مخرجات العملية الانتخابية من خلال توزيع الدوائر الانتخابية والمحاصصات التي تتم تحت الطاولة.

٧- بحكم متابعة الناشط مراد الحايكي للشأن الكويتي إضافة للشأن البحريني. ما أوجه الاختلاف / التشابه، بالنسبة للأوضاع السياسية، بين البلدين؟

أوجه الخلاف كثيرة، فتشريعات الكويت المتعلقة بالانتخابات وصلاحيات مجلس الأمة (البرلمان الكويتي) ودوره التشريعي والرقابي وتعاطي السلطة معه مختلف تماماً عن الوضع في البحرين.

الصراع السياسي في الكويت يختلف ويقل حدة عن طبيعة الصراع في البحرين وإن تشابهت بعض الملفات مثل الفساد. إلا أنني أعتقد أن هناك تشابهًا بين التجربتين في النتائج، فكلتا التجربتان فشلتا في بناء دولة المؤسسات والقانون وحلحلة ملفات رئيسية وخلق أجواء ديمقراطية حقيقة أبعد من توجه المواطنين إلى صناديق الاقتراع.

الكويت لم تستطع تطوير تجربتها البرلمانية والديمقراطية رغم قدمها في المنطقة، بل بعض القوى السياسية في الكويت تقول بأن هناك تراجعًا كبيرًا، وفي البحرين أفرغت السلطة تماماً تجربتها البرلمانية والديمقراطية من محتواها، والنتيجة صفر ديمقراطية وصفر شراكة حقيقية في إدارة البلاد ومصالح الناس.

 

٨- صرح مراد الحايكي في فترة سابقة أن الحكومة البحرينية هي الجهة المسؤولة عن “زراعة الطائفية” في البحرين. كيف قامت بذلك؟ وهل لا زلت تعتقد بهذا الرأي؟

المسألة الطائفية في البحرين كما في الدول العربية الأخرى لا تقع مسؤولية زراعتها على الحكومة فقط، فأسباب نشوئها عميقة ومختلفة تمتد لمئات السنين وتتحمل جزءا كبيرا منها قيادات الطائفة أنفسهم.

إلا أنه لا شك في أن الحكومة البحرينية، والكلام ينطبق على حكومات المنطقة والمستعمر أيضاً، قد أسهمت في توفير تربة خصبة للطائفية لما وجدت فيها من وسيلة فعالة تساعدهم في صراعهم على السلطة، وتمكين قبضتها على كافة مفاصل الحكم.

والحالة متشابهة لدى العديد من قيادات الطوائف، فهي يهمها أيضاً وجود حالة “طائفية” تسهم في تقوية مكانتها وامتيازاتها لدى الطائفة وسلطتها عليها، وكلما زاد الانقسام الطائفي وتعمقت الحالة الطائفية في المجتمع، كلما تضخمت قوة تلك القيادات وتوسع تأثيرها.

السلطة فشلت، وبرغبة منها ووعي في بناء دولة المؤسسات والقانون التي تحجم دور الطائفة “سياسياً”، والطوائف فشلت برغبتها ووعي منها في أن تكون متصالحة ومتعايشة في تناغم وانسجام مع بعضها البعض، وأكثر انفتاحاً مع الأخر. وحتى يتنازل الطرفان، النظام والطائفة، عن ذلك، سيبقى الحال كما هو عليه مع ترجيح تصاعد حدته لتصل لنوع من الصدام كما شهدنا قبل ٧ أعوام.

 

٩- ما تصفه أشبه وكأنه تحالف غير معلن بين السلطة وقيادات الطوائف؟

ليس هناك تحالف بين الحكم وقيادات الطوائف هدفه الإبقاء على الحالة الطائفية كما هي، لكن الطرفان، وبشكل منفصل، يجدان أن من مصلحتهم أن تبقى هناك حالة طائفية إنما بدرجات متفاوتة لا تصل حدتها للصدام والعنف.

 

١٠- دعا مراد الحايكي في أكثر من مرة إلى إصلاح انتخابي ديمقراطي لحل مشاكلٍ في النظام الحالي. ما رؤية مراد الحايكي للحل؟ وكيف ينبغي تطبيقه؟

الحل في الشراكة والرجوع إلى ما تم الاتفاق عليه في ميثاق العمل الوطني “مملكة دستورية على غرار الممالك الدستورية العريقة”، وتفعيل مبدأ “الشعب مصدر السلطات”، ورغبة حقيقة لدى السلطة بالانتقال السلمي إلى دولة ديمقراطية تحكمها المؤسسات والقانون لا أهواء الأفراد ومصالحهم.

في اعتقادي هناك مشكلتان رئيسيتان يجب حلهما، المشكلة الدستورية ومشكلة عدم رغبة النظام في التنازل عن أي مفصل من مفاصل اتخاذ القرار في البلد، وإن لم تحل هاتان المشكلتان، فسيسوء الحال أكثر مما هو عليه حالياً.

“المشروع الإصلاحي” ورؤية البحرين ٢٠٣٠ فشلا فشلاً ذريعاً على كافة الأصعدة، فالوعود بأن نتحول إلى دولة ذات اقتصاد قوي ومستدام تبخرت، وأصبحنا دولة تلتفت تارة لليمين وتارة لليسار لكي يتصدق عليها “الأشقاء”، وأما بالنسبة للوضع السياسي والحقوقي فسجون البحرين وتقارير المنظمات الدولية والحقوقية كفيلة بأن تعطينا صورة واضحة لما آلت إليه الأمور.

نحن بحاجة إلى مشروعين، مشروع “إنقاذ” حتى نتمكن من الخروج من هذه الأزمة الاقتصادية والسياسية بأقل الأضرار، ومشروع الإنقاذ يجب أن يكون ضمن مشروع أشمل، وهو مشروع “الملكية الدستورية” الحقيقية، يشارك في صياغته كافة الأطراف، ويتعهد “الأشقاء” بأنهم لن يقفوا في وجهه ويدفعوا الغالي والنفيس لإفشاله.

 

من “الأشقاء” الذي تقصدهم؟ ولماذا تتوقع وقوفهم ضد مشروع الإنقاذ؟

لا يخفى على أحد اليوم أن هناك قوى إقليمية تقف في مواجهة أي تغيير في المنطقة وبالأخص منذ اندلاع أحداث الربيع العربي. والقوى هي ذاتها التي تشكل عائقاً إقليمياً في وجه التحول “الديمقراطي” والمشاركة الشعبية في البحرين والعالم العربي، وللأسف أبرز تلك القوى هما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

والسبب وراء وقوفهم ضد أي مشروع إنقاذ أو أي مشروع تحول ديمقراطي في المنطقة هو الخوف من أن تنتقل تلك الحالة إلى دولهم ويخسرون مواقعهم في السلطة كما خسر حلفائهم السلطة في مصر، قبل السيسي، وتونس على سبيل المثال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

القائمة الرئيسية