لندن - المملكة المتحدة 18/09/2018

حلم النهضة المغتال.. العرب يفقدون طريق التنوير

خ خ خ

مثل التقاء الحضارة الغربية بالحضارة العربية، نقطة انطلاق شرارة التنوير في العالم العربي، فكان هذا اللقاء القسري الذي فرضته ظروف احتلال نابليون بونابارت لمصر والشام في الواقع، المنارة التي أحدثت حراكًا أضرم النار مجددًا في رماد الحضارتين العربية والإسلامية التي كانت على وشك الاحتضار.

الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي عاشتها البلدان العربية خلال فترة الحكم العثماني، جعلتها في مرحلة “جمود كاملة”، في ظل سعي العثمانين إلى تفريغها لصالحها، فضلًا عن اقتصار التعليم على الطبقات الارستقراطية، وعدم إدراك المنطقة للمتغييرات والاختراعات التي طرأت على الدول الأخرى، وبداية دخول أوروبا في تلك الفترة إلى عصر الازدهار.

ورغم محاولات النهضة التي استمرت من أواخر القرن السابع عشر إلى منتصف القرن العشرين إلا أنه يبدو أن العرب لم يعرفوا طريق عصرَي “النهضة والتنوير” حتى الآن.

كتب: ألكسندر إبراهيم

 

الإرهاصات الأولى

في أواخر القرن السابع عشر، بدأت الدول العربية تبحث عن خطواتها الأولى للنهوض من الثبات الكبير، والتي كانت انطلاقتها في مصر، قبل أن تتحرك إلى سوريا ومدن كل من بغداد ومراكش وفاس وبيروت رغم اختلاف المؤرخين حول بدايتها، فبعضهم حددها بفترة وجود الحملة الفرنسية في مصر بين عامي 1798 و1801، وآخرون ذكروا أنها كانت مع تولي محمد علي باشا حكم مصر.

فخلال الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت، تعرف المصريون على الحضارة الغربية بمزاياها ومساوئها، إضافة إلى بعض الأنظمة الإدارية، واكتشاف الفجوة الكبيرة بينهما، والتقدم العلمي والتقنية الغربية، مما جعل العرب يبحثون عن وسائل لنقل التقنية وتعريب العلوم.

ومن أهم ما قدمه نابليون لمصر فى حملته هو استقدامه لمطبعة فرنسية، والتي أصدر معها صحيفة “الجريدة الرسمية”، تلاها جريدة “بريد مصر” أو “كورييه دى ايجيبت”، و”العشارى المصرية”، كما أصدر أوامر بإصدار صحف ناطقة بالعربية، منها: “الحوادث اليومية والتنبيه”، ليكون سببًا في معرفة مصر والعرب بالطباعة.

وفى يوليو 1799 أنشئ المعهد العلمى المصرى من علماء مصريين وفرنسيين فكان باكورة إنتاجه كتاب “وصف مصر” المكون من 24 جزءًا واكتشاف حجر رشد وفك رموز الكتابة المصرية القديمة لتفتح بذلك أبواب الصحافة فى مصر والحضارة المصرية على العالم.

ومع تولي محمد علي باشا حكم مصر عام 1804 ميلاديًا سعى إلى إحداث نهضة كبيرة في مصر امتد أثرها إلى مختلف العواصم العربية لاحقًا، ليحدث حراكًا ثقافيًا وعلميًا كبيرًا حينها.

وبدأ مؤسس مصر الحديثة محاولته لإحداث تغيير في مصر، حيث وجه بعثات مدرسية إلى أوروبا ليتم الشبان المصريون دراستهم في معاهدها العلمية، فضلًا عن إرسال البعثات إلى أوروبا لنقل الخبرات العلمية والفكرية إلى “المحروسة”، وتحقيق التقدم العلمي والثقافي والاجتماعي.

النجاحات الأولى التي حققتها البعثات بأوروبا كانت في تخريج أحد الأعلام الذين ساهموا في تعريف المجتمع المصري على المنجزات العلمية التقنية والحضارة والمدنية الأوربية، فبعد عودته من فرنسا مباشرة ولاه محمد علي منصب رئيس الترجمة في مدرسة الطب، كما أسس مدرسة الترجمة، التي صارت فيما بعد مدرسة الألسن وعُيـن مديرًا لها إلى جانب عمله مدرساً بها، وفي هذه الفترة تجلى المشروع الثقافي الكبير لرفاعة الطهطاوي ووضع الأساس لحركة النهضة.

ومع استمرار إرسال البعثات العلمية إلى أوروبا، ودخول إبراهيم باشا سوريا أفضت النهضة إلى إعادة انتشال اللغة العربية مما طرأ عليها من تقهقر، وقدّمت أدبًا عربيًا معاصرًا للمرة الأولى منذ قرون، وعبرت الجمعيات السياسية بعثت النهضة مشاعر الهوية العربية مجددًا، كما ناقشت قضايا الهوية للبلاد العربية المختلفة وعلاقتها بالرابطة العثمانية، إضافة إلى تطوير العملية التعليمية.

وبزغ خلال تلك الفترة أيضًا، اسم علي باشا مبارك والذي ابتعث إلى فرنسا مع أربعة من أمراء بيت محمد علي، أحدهم كان إسماعيل بك إبراهيم، والذي أحدث تعاونهم إلى الخروج بتغيير كبير، بدأ بتطوير التعليم من خلال توليه إدارة المدارس، والعديد من المشروعات العمرانية التي ساهمت في نقلة كبيرة للشكل المعماري المصري لا يزال أثره باقيًا.

نشاط على مبارك في تلك الفترة كان صاحب فضل كبير في النهضة العربية، حيث عمل وزير المعارف والأوقاف على نقل الخبرات التي اكتسبها في أوروبا فعمل على ترجمة العديد من الكتب، لعل أهمها كتاب “تاريخ العرب”، فضلًا عن إنشائه دار الكتب المصرية والتي تعد من أبرز إنجازته.

التواصل بين الشرق والغرب، أسهم أيضًا في رفع أغلب رجال النهضة في الدول العربية شعارات الثورة الفرنسية، المطالبة بـ”الحرية والعدالة والمساواة”، كما تأثروا تأثيرًا بالغًا بفلاسفة عصر التنوير الأوروبي، إضافة إلى تزامن النهضة مع افتتاح مشاريع اقتصادية هامة كقناة السويس في مصر وقطار الشرق السريع في الشام.

 

مولد المجددين

ومع الحراك السياسي والاجتماعي والثقافي التي عاشته المنطقة في تلك الفترة، بدأت البلدان العربية تستشعر رياح التغيير في كافة القطاعات خصوصًا في ظل الاستعمار الذي بدأ يثبت أركانه في المنطقة، والانفتاح التي عاشته “القاهرة” في تلك الحقبة، استقبلت أراضيها أحد أعالم النهضة وروادها الأوائل الشيخ جمال الدين الأفغاني، ومن أعلام الفكر الإسلامي بالنسبة للتجديد، والذي بثت ترجماته في تلك الفترة روحًا جديدة في الفكر الإسلامي.

وكانت المنطقة العربية في نهاية القرن قبل الماضي على موعد مع ميلاد أحد أبرز المجددين الإسلاميين في العصر الحديث، الشيخ محمد عبده، والذي تأثر بشكل كبير بأفكار أستاذه “الأفغاني”.. عبده لم يكن كأقرانه من المفكرين في تلك الفترة، فبدأ مشروعًا كبيرًا في التجديد مبني على إعمال العقل في التفسير.

ويعد محمد عبده أحد رموز التجديد في الفقة الإسلامي ومن دعاة النهضة والإصلاح في العالمين العربي والإسلامي، أسهم بعد التقائه بأستاذه جمال الدين الأفغاني في إنشاء حركة فكرية تجديدية إسلامية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تهدف إلى القضاء على الجمود الفكري والحضاري وإعادة إحياء الأمة الإسلامية لتواكب متطلبات العصر، فقام بتفسير القرآن الكريم بمنهج عقلاني حديث أثناء سنوات منفاه فى بيروت، وكان أول من أدخل العلوم الحديثة فى الأزهر.

وفي تلك الفترة بزغ على خط التجديد تلميذ آخر للإفغاني، وهو المفكر عبد الرحمن الكواكبي، والذي كان أحد مؤسسي الفكر القومي العربي، واشتهر بكتاب “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، فضلًا عن العديد من الرموز في تلك الفترة والذين كان لهم إرث وأثر كبير في تحريك “المياه الراكدة”.

 

شوام مصر

مفكرو ومبدعو الشام لم يكونوا بعيدين أبدًا عن التأثير والاشتراك في النهضة، فكان لهم العديد من الإنجازات التي أسهمت في إحداث نقلة تاريخية وحضارية كبيرة في مصر خصوصًا، والمنطقة عمومًا، والذي أسهم الصراع الذي أحدثه العثمانيين في الشام بين المسلمين والمسيحيين في في منتصف القرن التاسع عشر، وبالتحديد في عام 1861، والذي عرف وقتذاك بـ”حوادث الستينيات”، كذلك الصراع الملّي بين الدروز والموارنة في جبال لبنان، ما دفع كثيرًا منهم للهجرة إلى أوروبا، ومنهم من هاجر إلى أمريكا، وهاجرت أعداد منهم إلى مصر.

النهضة الثقافية العربية في القرن التاسع عشر بدأت في أعقاب خروج محمد علي باشا من بلاد الشام عام 1840 وتسارعت وتيرتها أواخر القرن التاسع عشر، وكانت بيروت والقاهرة ودمشق وحلب مراكزها الأساسية، وتمخض عنها تأسيس المدارس والجامعات العربية والمسرح والصحافة العرب وتجديد أدبي ولغوي وشعري مميز ونشوء حركة سياسية نشطة عرفت باسم “الجمعيات” رافقها ميلاد فكرة القومية العربية والمطالبة بإصلاح الدولة العثمانية.

وبدأت في تلك الحقبة بروز فكرة الاستقلال عنها مع تعذر الإصلاح والمطالبة بتأسيس دول حديثة على الطراز الأوروبي؛ كذلك وخلال النهضة تم تأسيس أول مجمع للغة العربية وإدخال المطابع بالحرف العربي، وفي الموسيقى والنحت والتأريخ والعلوم الإنسانية عامة فضلًا عن الاقتصاد وحقوق الإنسان.

ووقد برز النقاش حول مسألة القومية العربية والتنوير الفكري، كلٌ من يعقوب صروف وشبلي شميل وفرح أنطون وجورجي زيدان وسليم النقاش وأديب إسحق، كما ازدهر المسرح والدراما في مصر بفضل مشاركة الفرق الوافدة من الشام اعتبارًا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأولى الفرق الشامية التي هاجرت إلى مصر هي فرقة سليم النقاش وأديب إسحاق التي وفدت عام 1876 .

 

ثورة فكرية

ومع بداية القرن العشرين بدأت “الثورة الفكرية” تعرف طريقها إلى كافة المناحي العربية سواء في السياسة أو الأدب أو الفكر أو الاجتماع، ومع تولدها بدأت مواجهة فكرية طاحنة بين المجددين والمحافظين.

في تلك الفترة بزغت العديد من الأفكار الجديدة في الأدب والفن والشعر العربي، والتي تدعو إلى التجديد والتحرر وإعمال العقل، ففي الشعر كان محمود سامي البارودي أول المجددين، حيث كان رائد مدرسة البعث والإحياء في الشعر، ومن ضمن أعلام تلك المدرسة “أحمد باشا شوقي وحافظ إبراهيم”، إضافة إلى ميلاد مدرسة الديوان والتي كان بزغت على يد “عباس العقاد وإبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري”.

افتتاح الجامعة المصرية عام 1908 كان لها الدور الأبرز في ميلاد عميد الأدب العربي طه حسين، والذي وصف أعوام دراسته الأربعة في الأزهر بأنها “أربعون عامًا”، بسبب رتابة الدراسة، وعقم المنهج، وعدم تطور الأساتذة والشيوخ وطرق وأساليب التدريس.

عمل طه حسين على بث روح جديدة في الفكر العربي قائمة على “الشك”، ومبنية على اليقين، فكان مع رفاقه في تلك الحقبة، مثل “توفيق الحكيم ومحمد حسين هيكل وحسين فوزي” مواجهي “الجمود الفكري”، ولكن عميد الأدب العربي كان الأكثر جراءة وتوسعًا من أقرانه، فلم يكن يحمل فقط لواء تجديد الأدب العربي، لكنه سعى إلى “حركة تنوير” تعم كافة أوصار الفكر العربي.

احتل عميد الأدب العربي مركز الصدارة في العالم العربي في القرن العشرين، فقد كانت كتابته وآراؤه تثير ضجة كبيرة، كونه سعى إلى مواجهة المسلمات والآراء المسكوت عنها، تحت هيمنة السلطتين السياسية والدينية، وهما تسوغان ما يحفظ مصالحهما البحتة، إضافةً إلى قدرة لا حدود لها على المواجهة والمناورة بأسلوب ساحر مشوق يجمع بين عمق الفكرة ونصاعة البيان وقدرة على حشد الأشياع والمريدين.

طه حسين رفع “شعار التنوير” خلال مراحل حياته، فقد آثار كتابه “الشعر الجاهلي” والذي خلص في إلى أن الشعر الجاهلي كتب بعض الإسلام ونسب للشعراء الجاهلين موجة  غضب عارمة، وصلت إلى أروقة المحاكم بدعوى الإساءة المتعمدة للدين الإسلامي والقرآن الكريم، كما آثار رأيه بشأن عدم وجود أدلة على وجود.

لم يقتصر دور طه حسين في التنوير على المعارك الفكرية بل امتد على أرض الواقع، فبعدما أصبح وزيرًا للمعارف عرف بأنه أبو مجانية التعليم وأبو الجامعات، فبعد أن أنشأ جامعة الإسكندرية -عندما كان مستشارًا فنيًا لوزير المعارف بين عامي 1943 و1944- أنشأ بعد توليه الوزارة جامعة عين شمس ووضع نواة جامعة أسيوط بقوة القانون وبالإجراءات العلمية مثل إعداد البعثات اللازمة لبناء هيكلها وجمع التبرعات لإنشاء جامعة المنصورة وتبنى برنامجًا قوميًا ضخمًا لتوحيد نظام التعليم في مرحلته الأولى فحول عددًا كبيرًا من الكتاتيب إلى مدارس ابتدائية لا يكتفي فيها بتعليم الأبجدية وحدول الضرب وإنما تدرس فيها مبادئ العلوم الحديثة وبفتحه آلاف الفصول الابتدائية فانتشر التعليم بفضله انتشارًا كبيرًا.

 

الأزهر والإسلاميون

وعلى عكس “النهضة الأوروبية”، شهدت المنطقة العربية في بداية القرن العشرين ظهور “التيارات الدينية” المختلفة والتي كانت تعمل جاهدة بالتعاون مع السلطة الحاكمة لمواجهة تيارات الحداثة في كافة الجوانب، ولعل أبرزها “الأزهر وجماعة الإخوان المسلمين، ولاحقًا الفكر الوهابي”والذين كان لهم دور بارز في التصدي للفكر التنويري، فضلًا عن تردي الوضعين السياسي والاقتصادي بالمنطقة في تلك الفترة بعد هزيمة الجيوش العربية في حرب عام 1948.

“إعمال العقل” أصبح جريمة يحاربها “الأزهر” في شتى البلدان العربية، إنها التهمة التي قادت طه حسين إلى أروقة المحاكم، وسعى “الأزهر” إلى قتل أفكار تجديد الإمام محمد عبده وإجهاض دعوات قاسم أمين وأحمد لطفي السيد بتحرير المرأة، وأودت بحياة الدكتور فرج فوده من قبل الإسلاميين، والذين سعوا إلى تقويض الفكر ومحاصرة المجددين من أبناء الفكر العربي.

ومع حلول سبعينيات القرن الماضي، وسعي المملكة العربية السعودية إلى نشر الفكر الوهابي السلفي المبني على الأصولية وأتباع أفكار السلف دون إعمال العقل فيها، وبداية الثورة الإسلامية في إيران أصبح أصحاب الفكر المتجدد والداعين إلى التنوير في مرمى النيران، وأدى الترابط بين الحكام وقادة الدين إلى إجهاض كل ما يسعى إلى “النهضة والتنوير” في المنطقة، لتبقى الدول العربية محاصرة بين استبداد الأنظمة وسيف تعاليم الدين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

القائمة الرئيسية