لندن - المملكة المتحدة 14/11/2018

نازحون في غياهب النسيان.. واقع بشع وحقوق مهدرة

خ خ خ

للحروب والنزاعات والصراعات، آثار خطيرة وجمة على كافة المستويات، لكن وحدها تبقى الخسائر البشرية الأخطر على الإطلاق، تلك الخسائر  لا تقتصر على القتلى والجرحى والمعاقين، فهناك واقع يجب النظر إليه بعين بصيرة يتمثل في “النازحيين والمهجرين واللاجئين”. هؤلاء هم المحرومون حقا من ديارهم ومن ملاذهم الآمن وعيشهم، تحولوا من مواطنين إلى “نازحين”  في حالة فرار  مستمر داخل حدود بلدانهم، أو لاجئين في الخارج، جميعهم يحتاجون بشكل عاجل لرعاية واستقرار وعيش كريم.

في هذا التقرير تسلط مجلة “مواطن” الضوء على حجم معاناة النازحين داخل بلدانهم، نتيجة النزاعات في أكثر من بقعة على مستوى العالم تشهد توترات وأعمال مسلحة أفقدت المواطن أبسط مقومات الحياة، أبرز تلك البلدان سوريا والعراق واليمن وفلسطين وميانمار وليبيا.

كتب: خطيب الجنوبي

 

وصل عدد النازحين واللاجئين نتيجة الصراعات وفقا للإحصائيات الأخيرة رقما مهولا: ما جملته قرابة الـ(66) مليوناً، ما بين لاجئين تركوا أوطانهم وعددهم قرابة 23 مليون لاجئ، ونازحين في الداخل تركوا ديارهم وهم يكتوون بنار الحرب والصراعات. وإذا تحدثنا هنا عن النازحين داخليا نجد أرقاما مرعبة تفوق الـ(40) مليون نازح، وهي أرقام تشير إلى وضع كارثي يعيشه النازحون بسبب الصراعات والنزاعات وأعمال العنف.

فوفقا للإحصائيات الرسمية الأخيرة لـ”مركز رصد النزوح الداخلي”، فإنه منذ العام 2003 وحركة النزوح تشهد اتجاها تصاعديا ففي كل ثانية تمر  هناك عمليات نزوح يتم تسجيلها نتيجة أعمال العنف المسلح والنزاعات والكوارث والصراعات. وهذا النزوح آخذ في الازدياد بشكل ملحوظ خلال السنوات الخمسة الأخيرة، وعلى الرغم من أن عدد النازحين يفوق عدد اللاجئين بنسبة شخصين إلى واحد تقريبا، إلا أنه تم تهميش النزوح الداخلي في عمليات السياسة العالمية وأصبح النازحون في دائرة النسيان وخارج الاهتمام العالمي نتيجة التركيز على اللاجئين والمهاجرين، وهو مايشير الى أن الوضع سيظل متفاقما ما لم توضع له حلول عاجلة تقلص من أعداد النازحين إن لم تقض عليه عبر إنهاء المسببات التي أدت للنزوح، خاصة في الدول التي تشهد أعمال عنف وصراعات على رأسها سوريا والعراق وليبيا واليمن وميانمار وفلسطين.

 

العراق

رُغم أن وزارة الهجرة والمهجرين بالعراق، أعلنت عودة قرابة  45% من النازحين لمنازلهم بعد عمليات عسكرية خاضتها ضد العناصر المسلحة على رأسها تنظيم الدولة الاسلامية “داعش”، إلا أن 3 ملايين نازح لا يزالون في مواجهة مع الظروف المعيشية الصعبة التي تدفع بعضهم للانتحار داخل المخيمات التي تفتقد معظمها إلى أبسط مقومات الحياة الإنسانية الكريمة.

فأزمة حركة نزوح العراقيين تعمقت بشكل كبير في المناطق التي سيطر عليها تنظيم الدولة داعش منتصف 2014، كما ازدادت عمليات النزوح بعد انطلاق العمليات العسكرية سواء هربا من داعش أو من العدالة.

 

نقص حاد في الصحة والتعليم

نفس العدد السابق ذكره، يعاني نقصا كبيرا في مجالات الصحة والتعليم والمأكل والمشرب، وتكدس العائلات في مخيمات صغيرة ما ادى لانتشار الأمراض ونقص في الغذاء والدواء، وهو الأمر الذي دفع المواطنين للانتحار  في ظل تجاهل إعلامي وعدم اهتمام داخلي أو عالمي بمأساة النازحين.

 

بطالة وتخوف أمني

نتيجة العنف الذي لم يهدأ طوال الفترات الماضية ونتيجة الإجراءات القتالية التي تتخذها الحكومة العراقية لمواجهة المسلحين، بدا لعدد كبير من النازحين هاجس أمني، حيث افتقدوا لعامل الأمن والأمان حتى وهم داخل مخيماتهم، ليس ذلك فقط، فغالبية النازحين إن لم يكن جميعم أصبحوا بدون عمل، وأصبحت البطالة عنوانا عريضا لتلك الفئة بسبب الأوضاع القائمة في العراق وبسبب نزوجهم من بلدانهم التي كانوا يحصلون فيها على فرص عمل مناسبة.

 

سوريا

تأتي سوريا على رأس قائمة الدول التي تشهد نزوحًا داخليًا، هناك وصل عدد اللاجئين والنازحين معا قرابة  13 مليون شخص بينهم 8 مليون نازح داخلي. وهناك مئات الآلاف من النازحين داخل المدن والبلدات السورية، أو الموجودين في المخيمات على الحدود، يعيشون ظروفًا إنسانية صعبة، فضلا عن تنقلهم داخليًا، في كثير من الأحيان، عدة مرات أثناء نزوحهم، ما يخلق تحديات كبيرة أمام متابعة تحركاتهم.

 

المعارك سبب رئيسي في ارتفاع أعداد نازحي سوريا

المعارك القائمة وأعمال العنف المستمرة، من الأسباب الرئيسية لارتفاع عمليات النزوح في المناطق السورية، ومنها المنطقة الشمالية الغربية، حيث أعلنت “الأمم المتحدة” في تصريحات لها أن تصعيد المعارك شمال غرب سوريا يؤدي لنزوح جديد، وهو الأمر الذي يشير الى أن المواطن البسيط يدفع فاتورة المعارك بالعيش نازحا في وطنه في ظل معاناة كبيرة من شح الصحة والطعام والخدمات الطبية.

 

آلة الحرب تقتلهم

ومن ضمن المآسي التي يعيشها نازحو سورريا أنهم يتعرضون للقتل والقصف وهم عزل من السلاح، والكلام لـ”هيومن رايتس ووتش” والتي أكدت في معرض حديثها عن أوضاع النازحين داخليا، أن قوات الجيش التركي تقوم بإطلاق النار على المدنيين النازحين الذين يتوجهون إلى الحدود التركية، كما أنهم يتعرضون للتعذيب من قبل قوات حرس الحدود التركية، بهدف إجبارهم على العودة إلى الداخل السوري.

 

مخيمات الموت.. هكذا يسمونها

تتوزع مخيمات النازحين السورييين على أكثر من منطقة على رأسها مخيمات المناطق الشمالية الغربية نذكر منها (ريف إدلب – طريق الدانا – أطمة – جبل الزاوية) إضافة لمخيمات أخرى منتشرة في أكثر من منطقة تستقبل النازحين أو المهجرين قسرا بموجب الاتفاقات التي تم التوصل إليها، منها مخيمات الحسكة والمخيمات المنتشرة في جنوب سوريا وريف درعا ومخيمات المناطق الحدودية مع الأردن نذكر منها مثلا مخيم “الركبان” وغيرها من المخيمات الأخرى التي لم تهدأ أبدا بسبب أعمال العنف وتكدس أعداد النازحين ونقص المساعدات وافتقاد لأبسط مقومات الحياة لدرجة أن البعض يطلق عليها لقب “مخيمات الموت”، يضاف الى ذلك المخيمات الواقعة ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري في محافظات ( دمشق – اللاذقية – طرطووس والسويداء)، أما مراكز الإيواء الجماعية فبلغت قرابة 3500 مركزًا، معظمها يتواجد في المدارس والمستودعات ومباني المجالس المحلية، وجميع العائلات والأسر داخل تلك المراكز يفتقدون للخدمات والمساعدات فهي أسر ضعيفة لا تملك أي شيء تفعله سوى البقاء في تلك المراكز ما يشير  في النهاية الى أوضاع اجتماعية معقدة.

 

اليمن

يعاني اليمن من كوارث إنسانية وصحية جراء أعمال العنف والقتل حيث  فر ملايين المدنيين من منازلهم هرباً من الصراع القائم على أمل إيجاد شيء من الأمان والمأوى والمساعدات، العمليات القتالية بين “قوات الحوثي” من جهة و”القوات الشرعية” أدت لتفاقم الاحتياجات وانتشار الفقر وانعدام الأمن، وخسائر واسعة النطاق وعمليات نزوح جماعي كبيرة.

 

حياتهم معرضة للخطر

وفقا للتقارير الرسمية التي صدرت من مفوضية “اللاجئين” فإن اليمنيين الذين أجبروا على الفرار من منازلهم، معرضون على مدار الوقت للخطر بشكل خاص. وأكثر من مليوني ونصف شخص يعيشون ظروفا صعبة بعيداً عن منازلهم فهم محرومون من الاحتياجات الأساسية. لدرجة أن أكثر من مليون نازح يمني فقدوا الأمل في العودة لمنازلهم بخلاف ما يعانوه من أوضاع صحية ومعيشية صعبة.

 

ليبيا

في ليبيا قرابة مليون ومائتي ألف شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم 165 ألفا و478 نازحا داخليا، وذلك بسبب أعمال العنف وعمليات الاقتتال الدائرة والصراعات داخل ليبيا، وبحسب تقرير “المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” لشهر  أبريل من العام الجاري، فإن من بين النازحين داخليا نحو 40 ألفا من أهالي تاورغاء، ونحو 100 ألف شخص بحاجة للحماية الدولية والتدخل الدولي بهدف تقديم المساعدات اللازمة.

 

ظروف معيشية صعبة

يظل الوضع في ليبيا كما هو عليه، مواجهة من قبل القوات المسلحة للعناصر والجماعات المسلحة، يتبع ذلك ظروف معيشية مرهقة حيث لا توجد خدمات أساسية مثل الصحة والتعليم، ولا يوجد اهتمام دولي بالمستوى المطلوب فهناك مفوضية اللاجئين، تهتم بتعزيز الوصول المتكامل للخدمات الأساسية، والعمل على تحسين الظروف المعيشية لكل الأشخاص المعنيين وتعزيز التماسك الاجتماعي قدر الإمكان.

 

تاورغاء .. حياة الصحراء

ويعيش سكان مدينة تاورغاء الليبية فى ظروف معيشية قاسية وسط الصحراء بعدما غادروا منازلهم بسبب عنف الجماعات المسلحة التي سيطرت على المدينة، ويقيم النازحون هناك فى مخيم “جارت البقب”، يتلقون مساعدات ضئيلة معظمها من الناشطين، وعدد قليل من الجمعيات الإنسانية، حيث يعاني النازحون من سيطرة الميليشيات التي تمنعهم من العودة لمنازلهم رغم توقيع اتفاقات عدة لكنها باءت في النهاية بالفشل .

وفى مطلع شهر مارس الماضي، تظاهر عدد كبير من سكان مدينة تاورغاء الواقعة شمال غربى ليبيا، فى الصحراء التي لجؤوا إليها مطالبين بإعادتهم إلى منازلهم. لكن لا يوجد من يستجيب فقد استفحلت أزمة نازحي مدينة تاورغاء بسبب نكث الميليشيات بوعد إعادتهم لمنازلهم التى فروا منها جراء الفوضى التي تضرب البلاد.

 

خطوات داعمة للنازحين داخليا

تنفذ “مفوضية اللاجئين” التابعة للأمم المتحدة، مشاريع سريعة التأثير في أرجاء ليبيا خلال العام الجاري 2018، بهدف دعم النازحين داخليا، وكذا العائدين من النزوح واللاجئين والمجتمعات المضيفة، بهدف خلق ظروف تضمن التعايش السلمي بين النازحين والمجتمعات المضيفة، كما أنها تشجع على إشراك اللاجئين وطالبي اللجوء في المشاريع المختلفة، ورغم هذه الخطوات الإيجابية من قبل المفوضية، إلا أنها تبقى خطوات متواضعة لأن الوضع يتطلب اهتمام عالمي أكبر بأوضاع النازحين وانتشالهم من حجم المعاناة التي يعيشوها كل ثانية تمر عليهم، فعلى المستوى المادي يحتاج النازحون الليبيون قرابة 100 مليون دولار من أجل وضع خطط إنقاذ ومساعدات.

 

ميانمار

تنذر الأوضاع الإنسانية لآلاف الوافدين الجدد الروهينجا العالقين قرب الحدود البنغالية مع ميانمار، بوضع كارثي وبشع ما لم يكن هناك تدخل دولي لوضع حلول فورية للنازحين، وباتت أوضاع آلاف النازحين غاية في الصعوبة ، فلا يجدون مأوى سوى حقول الأرز، فضلا عن أن السكان يتوزعون بين الكثير من التجمعات والمخيمات، ويتنقلون بشكل مستمر بين الأدغال.

 

في راخين حياة بدون حقوق

حوالي أربعمائة ألف من أقلية “الروهينجا” المسلمين لا زالوا يعيشون في ولاية “راخين” وهم يواجهون معاناة حقيقية بسبب القيود المفروضة على تحركاتهم  هذه القيود تقوض بشدة حقوقهم، وتحول دون حصولهم على سبل العيش والحماية والتعليم، وغيرها من الخدمات الأساسية.

ووفقا لتصريحات أممية صادرة عن مسؤولي الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، هناك مخيمات في ولاية “راخين ” يقطنها حوالي 130 ألفا من النازحين معظمهم من أقلية “الروهينجا” المسلمة ، يعانون ظروفا “يرثى لها” بعد قرابة ست سنوات من النزوح.

 

فلسطين

يظل القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية تعاني من ويلات الاحتلال الإسرائيلي، وزيادة برامج الاستيطان وعمليات التهويد والحصار والاعتداءات المستمرة، ما دفع مواطني فلسطين لترك منازلهم والهجرة خارج بلادهم أو البقاء في مخيمات داخل الحدود على أمل العودة إليها مرة أخرى.

ووفقا لــ “مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات”، فإن أعداد اللاجئين الفلسطينيين في العالم في بداية سنة 2017، بما فيها مناطق الداخل الفلسطيني (الضفة الغربية وقطاع غزة وفلسطين المحتلة عام 1948)، وصل قرابة ثمانية ملايين ونصف وهي أعلى نسبة لجوء مقارنة بالتعداد السكاني لفلسطين.

 

الضفة الغربية

وبحسب وكالة “أونروا” فإن الضفة الغربية مساحتها من الأرض تبلغ 5,500 كيلومتر مربع يعيش فوقها ما يقارب من 2,7 مليون شخص، ويعيش ربع اللاجئين في 19 مخيما رسميا منها على سبيل المثال (قلنديا – طول كرم –  شعفاط)، بينما يعيش الآخرون في مدن وقرى الضفة الغربية، وهو الأمر الذي يعكس حالة معاناة كبيرة وتراجع في المستوى الصحي وارتفاع معاناة النازحين داخل مخيماتهم.

 

غزة

وفي قطاع غزة فإن الوضع الاجتماعي والاقتصادي آخذ في الانحدار المستمر، فعلى مدار سنوات الاحتلال والحصار المستمر، ترك الغالبية العظمى من سكان غزة منازلهم وهم في حاجة للمساعدة الدولية، ولا يزال اللاجئون هناك قرابة (مليون ونصف) هم الأكثر عرضة للخطر في ظل الظروف الحالية، بسبب البطالة وعدم الأمن الغذائي والفقر وغيرها.

بشكل عام إن الوضع الذي يعيش فيه اللاجئون والنازحون هو وضع غاية في الصعوبة، جراء الأعمال التي تشهدها الكثير من البلدان، والتي خلفت وراءها ترديًا على كافة المستويات المعيشية للنازح الأمر الذي يشير إلى ضرورة وضع حلول فورية وسريعة لمعالجة الأسباب الكامنة وراء عمليات النزوح فما يتم تقديمه للنازحين من مساعدات ضعيف جدا مقارنة بهذا العدد الهائل، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه فإن أعداد النازحين سوف تزداد بشكل مضاعف وإلى حد يصعب معه معالجة الأمر بسهولة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

القائمة الرئيسية