لندن - المملكة المتحدة 21/11/2018

الأديب المصري سعيد الكفراوي: دولتا «عبدالناصر» الأمنية وحلم «السادات» الديني وجهان لعملة واحدة

خ خ خ

سكونه من زمن مضى، يعيش تحت وطأة ذاكرة حية مليئة بالأحداث والكثير  من هوس الحنين الذي يأتي بذكريات وأيام ولو من كل عام يوم.

عمر طويل واكب به هذا القاص العتيد متغيرات حدثت في بلده (مصر) وفي وطنه العربي الكبير، جسد فيما كتبه من أطفال وعجائز عبر جدلية الطفولة والكهولة، حيث يستمر الكشف عن تجربة تستمد عمقها من زمان ومكان وشخصيات ترتبط بتأمل أكثر القضايا التصاقًا بالوجود الإنساني، حيث يحمل أسئلة ترتبط بالفعل بقرية قديمة لكن تلك الأسئلة ما تزال فاعلة في زمننا الحاضر، حيث القيم التي لا تفنى.

حول بداياته في القصة والكتابة وفترة التكوين، وتطورات المشهدين السياسي والثقافي الراهنين، ولماذا اختار القصة القصيرة دون غيرها من صنوف الأدب للكتابة، ودور الأدب في التنوير ومحو ظلمة الفكر التكفيري ومواجهة التطرف، والفرق بين معطيات التفوق الأدبي لجيل الرواد وما تكتبه الآن الأجيال الجديدة، ورؤيته لحركة النشر المهتمة بالكتاب وتوزيعه، ومعوقات سوق النشر التي تنعكس بالسلب على مناخ التنوير، وكيف يحافظ الأدب على هوية الإنسان، وأشهر ما واجهه في الكتابة عن القرية، لأجل ذلك أكثر التقت مجلة “مواطن” الأديب والقاص المصري الكبير سعيد الكفراوي في السطور التالية:

حوار: عاطف سعد

 

  •  الثقافة العربية معزولة عن العالم.. لا أحد يجيء ولا أحد يذهب
  • واقع الثقافة يتسم فعليًا بقلة القيمة فهو واقع يطحن بعضه بعضًا
  • دولتا “ناصر” الأمنية وحلم “السادات” الديني وجهان لعملة واحدة اغتالا حرية الرأي والتعبير
  • “تأليه الحكام” يجلب الدمار والخراب والنكبات.. وما حدث قبل وبعد يونيو 1967 في مصر خير دليل
  • الإبداع نوعان.. رسمي يعبر عن حركة النظام السياسي وآخر يجعل الثقافة تحيا على الهامش
  • منتجنا الثقافي أصبح بلا قيمة عالميًا ولا نمتلك أسئلة حقيقية حول الحداثة والتقدم
  • الليبراليون عانوا إرث “عبدالناصر.. الزعيم الأوحد” ومصيرهم الدائم معتقلات وغياهب السجون
  • الرقابة الدينية والغلاء والظروف الاقتصادية معوقات لسوق النشر
  • ليس للرومانسية مكان في عالمنا الآن بل حلم من سنوات مارقة.. انظر حولك!!
  • القرية كشفت عن مكنون الواقع المصري.. والقراءة تستهويني أكثر من الكتابة
  • القصة القصيرة مثل النبوءة لا بطل لها وأشخاصها يحيون على الهامش

 

فإلى نص الحوار:

 

1- بداية.. ماذا عن رؤيتك للواقع الثقافي الحالي؟

الثقافة العربية تعاني قلة القيمة فهي لا تستطيع أن يكون لها دور في الثقافة العالمية ولا نمتلك أسئلة حول الحداثة والتقدم ولا تسهم بما تنتجه في تكوين مخيلة إنسانية، نحن نعيش في قرية معزولة عن العالم ثقافيًا لا أحد يجيء ولا أحد يذهب.

 

2- كيف ترى تطورات المشهدين الثقافي والسياسي عربيًا؟

ما آراه يتسم فعليًا بقلة القيمة، إنه واقع يطحن بعضه بعضًا، تغيب فيه الحقيقة على المستويين الثقافي والسياسي واختفت مشاريع الثقافة الكبرى التي كانت تؤسس للوعي بين الناس وتبشر برؤى جديدة نرى من خلالها مستقبلنا وأصبح سؤال الهوية يفرض نفسه من جديد وغاب عن مجتمعنا العربي أن تكون هناك ثمة سياسة مشتركة يجمعها التنوع الخلاق الذي تواجهه العولمة وانتهت سياسة كل دولة إلى ممارسة “الفردانية” والعمل في إطار وحيد بعيدًا عن السياسة التي تجمع شمل المجموع وبسبب من صراع الداخل طمع الخارج في مقدراتنا وثرواتنا وبات علينا أن نتأمل ما جرى في السنوات الأخيرة وظهور تيارات الأصولية المخيفة التي تنادي بنفي وقتل وذبح الآخر، ووصل بها الأمر إلى إعلان ولاءها إلى غير الحقيقة.

 

3- وكيف تنظر إلى الثقافة على مر تاريخك الإبداعي منذ عهد عبدالناصر إلى الآن؟

هناك ثقافة رسمية تعبر عن حركة النظام السياسي، وهناك ثقافة وإبداع موجود في الهامش وهذا قدم للثقافة العربية كل التطور الحقيقي لأشكال الكتابة في الشعر والرواية والكتابة والأدب والفكر وظل طوال عمره هامش حارس لكل القيم العظيمة، فمحمد علي –مثلًا- اخطأ في جعل التعليم ديني يقوده الأزهر وآخر مدني وهذه الثنائية تعيش الصراع حتى اليوم.

 

4- وهل هناك كتابات ربطت بين الواقع الأليم ببعده السياسي وبين المجتمع؟

 نعم يظل ما قدمه الرائعان نجيب محفوظ ويوسف إدريس اللذين كتبا قصة قصيرة عقب نكسة 1967 اسمها “بيت من لحم” عبارة عن سيدة ولها 3 بنات عوانس بينما تزوجت هي من شيخ أعمى يعرف زوجته بالدبلة عندما يريد أن ينال منها موضع الزوج من زوجته فلما أحست الأم برغبات الأنوثة واشتياقها نحو الرجل في عيون وأجساد بناتها قامت بتنقيل الدبلة إلى أيادي بناتها ليلًا فواقعهم الزوج الكفيف وفي نهاية القصة اكتشف الجميع أن الخمسة: الزوجة والزوج والبنات الثلاثة على علم بما كان يحدث ومتواطئون في الجريمة وهذه الرواية كانت تجسيد للتواطؤ الذي حدث في نكسة يونيو، بما يثبت أن كل المصريين كانوا مسؤولين عن الكارثة والخراب والمرارة الذي جاءت به النكسة فهم من تركوا مساحة للفساد وتأليه الحاكم الذي أفقنا منه على كارثة نعاني أثارها ونكباتها إلى اليوم حتى على المستوى العربي.

 

5- ماذا عن فترة التكوين.. ومن ثم اختيارك لشكل صعب من الأدب؟

في قرية صغيرة قديمة من قرى الأربعينيات بالقرن الماضي جاءت البداية وسط بشر بسطاء يعيشون على الستر وعلى قيم المقدر والمقسوم، ودائمًا ما ينشغلون في حيواتهم بالدفاع عن أرواحهم في مواجهة مظالم كثيرة تتربص بهم، كانوا أوفياء للقدر ويتسمون بحكمة أن الحياة آخرها الموت، عاشوا زمنًا من الكدح والخرافة في قرية تموج بالرمز والمعاني ويحتشد أهلها في مواجهة الخطر، وإني لازالت أتذكر تلك الليالي التي كونت وعي الكاتب، ليالي الحصاد والموالد وأغاني الأفراح والقسوة التي تقود صراع لا ينتهي حول ري الأرض والعلاقة بالحيوان وصوت الجدة يأتي بترنيمة من شفاعة بهبات الخيال المقتدر وحبكة الحكايات التي تطير النوم من العين، إنها قرية للعبد والحرية والموت هناك له معنى آخر.

 

6- وكيف تكّون الوعي ولماذا اخترت القصة القصيرة؟

هذا العالم الغني دفعني دفعًا لمحبة الكتب وعندما أعطاني مدرس قريب كتابًا ملخصًا لحكايات “ألف ليلة وليلة” وبعد قراءته مسني الجن والعفاريت واتسعت لدي الرؤية لعالم الكتابة، إنه عالم ساعدني على التأمل ومعرفة تلك المنطقة الغامضة من الواقع المصري التي كتبت عنها القصص وعشت عبر صوفية العشق لهذا الفن وآمنت أن القصة القصيرة هي دفاع عن أهوال الحياة والموت وهي مثل النبوءة ولا بطل لها وأشخاصها من أصل الهامش المنكسرين في أرواحهم وطالبي الخلاص من ظروفهم الاجتماعية الصعبة.

لقد صرخ البعض إن الزمن زمن الرواية فآثرت أن أمضي ما بقي من عمري في زمن كتابة هذا الشكل الشقيق للشعر والذي لا يمكن أن تعرفه والذي يتميز بالتركيز المطلق من منطلق أن كل قصة خالدة هي كالبذرة التي تنام في داخلها شجرة عظيمة وسوف تنمو هذه الشجرة بيننا وتلقي بظلها على ذاكرتنا يومًا.

 

7- كيف ترى فترة ستينيات القرن الماضي؟

بعد تلك الفترة تحول الدين إلى سياسة واستباحت كل شيء ووضعه تحت حد السؤال، ومناقضًا للحقيقة وبينما يجري في واقع الناس ما يتناقض وإنسانيتهم انتهى الأمر بكل نظام سياسي بالسعي إلى تأصيل هوية سياسية خاصة وغابت الثقافة التي كانت قديمًا تقر المشاريع الكبرى في التعليم وأن تدافع عن هوية التنوير والمناداة بتحكيم العقل في كل تجليات الأمور والتصدي لفرض المحاولات المتكررة لثقافة الآخرين حتى أنه في فترة ازدهار الثقافة الوطنية لم يكن هناك أية فروق في مفهوم الثقافة الوطنية والثقافة القومية، أما ما قبل الستينيات فكانت فترة اتسمت بالتحرر الفكري، حيث شارك في إحيائه جيل طه حسين في الأدب والفن والعلوم والفلسفة وكان هناك من يقودون لتخرج المجتمعات من الضرورة إلى البحث عن قيم الاستنارة والحرية.

 

8- ماذا عن دور الأدب في التنوير ومحو ظلمة الفكر التكفيري ومواجهة التطرف؟

كانت حقبة الأربعينيات بداية حداثة الكتابة وحدث التأثير الكبير الذي جاء مع المبدعين والفنانين الذين وضعوا العلامات الأولى في الشكل والمضمون واهتموا بالنصوص الحديثة وحرصوا على محاولة الآخر، وكان هناك ثمة قلق اجتماعي وتوتر سياسي منذ ثورة 1919 وحتى الخمسينيات تقريبًا، حتى جاءت تيارات الكتابة الحديثة منذ العالمي نجيب محفوظ ويوسف إدريس وحتى جيل الستينيات الذين مثلوا الوثبة المضادة لتكون أدبًا جديدًا ورؤى مختلفة عما كتبه الرواد، وظلت مشاريع الأدب التي أنتجت في تلك السنوات عن يحيى حقي وطه حسين ومحمود عباس العقاد ثم جيلي الأربعينيات والخمسينيات ومن جاء بعدهم من واجه سطوة التراث وهجمة الماضي بتفعيل الكتابة الأخرى في الأدب.

لقد كان أدبًا يدافع عن القيمة الحقيقية للحياة ويدفع بقيم الحرية والعدالة الاجتماعية ضد قمع السلطة السياسية ويروج لأماني البسطاء في التحرر وظل الأدب قادرًا على المواجهة باهتمامه بثقافة العقل وإبداعه القائم على التسامح والحوار وضمان حرية الآخر ومواجهًا سلطة القمع وصعود تيارات الإسلام السياسي في حقبة الفساد العظيم ومناقضًا لهجرة المصريين إلى الخارج والحفاظ على تراث الماضي الفاعل ثم الاستفادة من منجزات الآخر الثقافي مع التمسك بقيم ثقافتنا الإنسانية التي تتحاور في جدل حر مع قيم الآخر الروحية والمادية.

 

9- ما الفرق بين معطيات التفوق الأدبي لجيل الرواد وما تكتبه الآن الأجيال الجديدة؟

كان الرواد ينطلقون من آفاق مفتوحة على المستقبل ويعملون بدأبِ على إحياء خطاب ثقافي جديد يحمل أسئلته عن مواجهة الكلام ونموذج المقموع سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا، لقد كانت قيم الدولة المدنية سائدة على رأسها سيادة القانون وحرية تكوين هيئات ومؤسسات المجتمع المدني كما كان التعليم يقرع أبواب الصمت وكانت الحرية التي يعيش في ظلها المجتمع بقيمه وانفتاحه تشكل فضاءها لإنتاج أدب جديد مغاير يحرص على الاستقلال ويعزز الدور لثقافي والآن تحاصر الثقافة ومن ثم الإبداع بالإعلام المغيب للوعي وقيم الاستهلاك والمصادرة وتهميش المبدعين الجادين كل هذا يمثل القيم السلبية التي تواجه إبداعنا الحديث وبسبب من ذلك اتسم الإبداع بأنه يشبه القيم السلبية التي تفرزها القيم المعاصرة وسطوة مؤسسات الماضي وجهازها القديم.

 

10- ماذا عن رؤيتك لحركة النشر المهتمة بالكتاب وتوزيعه، وهل هناك ثمة رواج الآن فيما يسمى بسوق النشر؟

دعني أتحدث بصراحة وأقول إن ما يجري في حركة النشر من ازدهار يفوق التصور ويدفع إلى السعادة والاستقبال الحسن وعندما نرى ما يجري في مهنة صناعة الكتاب وكم من مكتبة فتحت أبوابها ودار نشر أعلنت عن نشاطها في مدينة القاهرة الصامدة وغيرها من عواصم العرب، وهناك العديد من دور النشر الآن تعمل وفق شروط اقتصادية طيبة تمثل فيها حركة الكتابة الشابة القدرة على التواصل والإبداع.

 

11- وما معوقات سوق النشر التي تنعكس بالسلب على مناخ التنوير والأدب؟

هناك ثمة معوقات بالفعل ممثلة في غلاء مواد الطباعة والأحبار والأوراق وارتفاع سعر الكتاب وبعض الشروط الرقابية وموقف الرقابة الدينية ومؤسساتها وموقفها من الإبداع والمبدعين ثم الأهم من ذلك ما يدفعه الكاتب من تكلفة كي يرى كتابه النور، وهناك أيضًا معوقات كثيرة لا تنفي رواج حرمة النشر وازدهار الكتاب عن فترات سابقة مثلت أزمة في الثقافة.

 

12- كيف ترى زخم التناول الأدبي الحديث في مجالات الخيال العلمي والقصة البوليسية؟

بطبيعة الحال ومع تغير القيم وازدحام الساحة بأدب جديد له خصائصه ومع متغيرات ما تدفع به الساحة من أشكال جديدة منها النص البوليسي القائم على التشويق وتفعيل الجريمة في تجلياتها كل تلك التجليات كان لها التأثير الأقصى في خلق تلك التيارات من الكتابة البوليسية التي تزدحم بها الساحة الآن وأنا لست ضد وجود هذه الموجة من الكتابة بل أنا من المؤمنين بتواجد وتجاور كل التيارات الكتابية في ساحات الكتابة العربية.

 

13- ما أسباب انطواء الرومانسية في الكتابات الأخيرة؟

لا أرى رومانسية فيما نعيشه من زمن، فالرومانسية حلم من أحلام سنوات سالفة.. انظر حولك، فأنت في تلك الأيام تنام وفي حضنك مأساة مروعة وتصحو على جريمة بغير معنى إنه زمن يشكل القبح الجزء الأكبر منه صدقني، لا يمكن أن يشعر الإنسان في مدينة مثل القاهرة بأي قدر من الرومانسية، فالرومانسية تحيا بين قيم من التسامح وعبر فضاء مفتوح على شكل جميل من الحياة الجميلة، وهل تذكر قاهرة الأربعينيات والخمسينيات حينما كانوا يقولون إن لندن وباريس تشبهان القاهرة وكانت هناك مسابقة عن أجمل مدينة في العالم كانت الأولى القاهرة، لكن ماذا عنا الآن؟! لم تعد تشبه أيه أماكن وبالتالي لا يحمل ما نعيشه من زمن أية ملامح لرومانسية غائبة.

 

14- كيف يحافظ الأدب على هوية الإنسان؟

الهوية تتغير بتغير طبائع الشعوب ومطلوب الحفاظ عليها من كل أشكال القيم الهدامة، وصدقني إن هوية أي إنسان هي ما يميزه وما يحافظ عليه والهوية في آخر المطاف هي البطاقة الشخصية للإنسان في حياته والهوية تتقوى بالأدب الجيد الذي يلتزم بقيم الأوطان لذلك ظل الأدب وعاءً للثقافات ومدافعًا عن الهويات، ولا ننسى أن الهوية المصرية تكونت عبر آلاف السنين كان يحرسها ويدافع عنها طوال الوقت ذلك الزمن الضارب في التاريخ عبر صيرورة لم تنقطع أبدًا طوال الوقت.

 

15- يتسم ما كتبته من قصص بأنها قدمت مشهد كتابة القرية بتجليها في الأزمنة الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل، بينما المدينة أقل من حيث الحضور.. لماذا؟

تكمن تجربة أي كاتب في وعيه بما عاشه وكون تجربته ترتبط بالأزمنة الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل، وعندي في الكتابة هناك زمن واحد لأن الحاضر والمستقبل يمثلان زمنًا واحدًا يذهب للماضي، وكانت القرية هي الواقع بطقوسه وميلاده وتجليات عالمه وكانت دلالة عن سؤال كيف لهذا الكاتب أن يحول هذا الواقع إلى فن، وبما إنني أحد من يكتبون القصص لا يستهويني النص السهل المباشر، لقد حاولت كتابة تلك المنطقة من الواقع وهي تتسم بالغموض والعنف ومحتشدة بالأسرار وإرث الطفولة الفادح التي انشغلت به طوال مسيرتي مع الكتابة وتدفعني مقولة كافكا “أي طفل لا يكون شيئًا بذاته”.

 

16- ما أشهر ما واجهك في الكتابة عن القرية من تحديات؟

واجهني في الكتابة عن القرية سلطة الأب والعمدة والملاك الجبارين وسلطة الإرث القديم من العادات والتقاليد وكيف تكتب عن هذا العالم الغني بطقوسه وميراثه وكان تحديًا كبيًرا أن تكتب عنه وتعبر وأنت تحلم بتصفيته.

 

17- أنت وبنو جيلك من المحسوبين كأبناء يوليو 1952، لماذا تناصبون هذه الثورة العداء؟

نحن من أول أبناء ثورة يوليو لأننا بدأنا مشوارنا الثقافي والمعرفي الحقيقي منذ أوائل حقبة الستينيات في الوقت وهو توقيت كانت فيه الحقبة الليبرالية فاعلة وقادرة على تقديم الجديد للمجتمع وإحياء وقيادة الوعي وتشكيل ضمير الأمة، وبالتالي كان منها رواد المسرح من أبناء هذه الحقبة أمثال سعد مكاوي ونعمان عاشور ومن المثقفين والأدباء نجيب محفوظ ويوسف إدريس وفتحي غانم، وهؤلاء العباقرة قادمون من الزمن الماضي، وكان أوائل المعبرين عن حركة وثورة 23 يوليو هم المتعلمون في مدارسها من بني جيلي “أبناء الستينيات”، وكنا من يومنا نؤمن بالوقوف ضد السلطة الغاشمة ونرفض صوت الزعيم الأوحد وشيوع الظلم والقبضة العسكرية -وبلا استثناء- دخل معظم أبناء هذه الحقبة في معتقلات الواحات أو طرة ولو رجعنا تاريخ اليسار المصري والمبدعين ومواجهتهم مع السلطة لتأكدنا من هذا.

 

18- أخيرًا.. هل ترى أن مساعي الدولة الدينية والأمنية تلتقي على هدف واحد في الحرب على الثقافة؟

كلا الدولتين تختلفان في آليات تعاملهما مع الثقافة والمثقفين في حين يلتقيان في النهاية على نفس الهدف، ويعملان على تحقيق هدف الزعيم في امتلاك زمام الأمور بالأمر والنهي المطلق وأن حريات التعبير لا تكون من مصدر مدني وإنما من مصدر السلطة نفسها، والدولة الأمنية تقوم على الأجهزة التي تقوم على وأد حرية الرأي وتضع نصب أعينها ومراقبتها الجماعات الفكرية والتنويرية وهذا كان واضحًا جليًا في حقبة ستينيات القرن الماضي وكنا عندما نجلس مع نجيب محفوظ في شبابنا على مقهى “ريش” بالقاهرة يجلس بيننا “مخبر أمني” ليسجل كل ما دار بيننا من نقاش وينقله للسلطات.

الأجهزة الأمنية تخدم الشخص وليس الدولة، وعانينا دومًا من فكر “الرئيس أو المسؤول” الذي يختزل الدولة في شخصه وفي نظامه الحاكم والمجموعة التي تصحبه، وكنا على خلاف مستمر مع جمال عبد الناصر وكنا على حق لأننا أفقنا من تأليهه وتعظيم كل خطواته على نكسة يونيو 1967، واختلفنا أيضًا مع أنور السادات لأنه جاء لنا بالإخوان والجماعات الإسلامية الذين قتلوه، وحسني مبارك الذي ترك لهم المساحة كاملة للعمل والنجاح في مجلس الشعب فشاركوا في ثورة أطاحت به، وهذا ينبع من رغبتهم في السيطرة على السلطة، وفي عهد الإخوان عانينا من سطوة وترهيب ديني غير عادي شأنهم المعتاد كسياسيين بظهير ديني، والآن ننشد مزيدا من الانفتاح وتقبل الرأى الأخير دون سطوة أو قمع أو اعتقالات كي يكون هناك جديد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

القائمة الرئيسية