لندن - المملكة المتحدة 24/01/2018

الفريق والمشير.. «السلطة» تشعل الحرب بين جنرالات مصر

خ خ خ

وسط حالة من الركود الذي يسود العملية السياسية في مصر منذ سنوات وتحديدًا عقب تولي المشير عبدالفتاح السيسي مقاليد الحكم في مصر عقب الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي قبل 4 أعوام ونصف، فاجئنا الفريق أحمد شفيق بإعلانه خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة ليحرك المياه الراكدة في مستنقع المشهد السياسي الذي لا صوت فيه يعلو على صوت الرئيس، ثم ما لبث أن أعلن عقب عودته من دولة الإمارات العربية المتحدة تفحصه وتدقيقه للأمور والأوضاع في مصر، وهو ما اعتبره البعض تراجعًا ضمنيًا عن قراره بالترشح لصالح المشير، إلى أن أعلنها صراحة وبصفة رسمية أنه لن يترشح للرئاسة .

وجاءت مبررات شفيق البالغ من العمر 67 عاما والتي لا تنطلي على عاقل كالتالي: بالمتابعة للواقع، فقد رأيت أنني لن أكون الشخص الأمثل لقيادة أمور الدولة خلال الفترة القادمة، مضيفا أن غيابي لفترة ذادت عن الخمس سنوات ربما أبعدني عن المتابعة الدقيقة لما يجري على أرض وطننا الحبيب من تطورات وإنجازات رغم صعوبة الظروف التي أوجدتها أعمال العنف والإرهاب.

الرجل الذي لا يزال يحظى بشعبية لا بأس بها بين قطاعات مختلفة من الشعب المصري بعد خوضه الانتخابات أمام مرشح الإخوان قبل سنوات، ربما كان بالفعل أول تهديد حقيقي لعرش السيسي الذي يستعد لترشحه لفترة رئاسية ثانية، وجاءت خطوة إعلان ترشحه للرئاسة بمثابة “قنبلة سياسية” أحدثت إرباك للمشهد الداخلي وربما الخارجي أيضًا، فداخليًا يعاني النظام المصري من أزمات عدة على المستويين الأمني والاقتصادي، أما خارجيًا ففي حال ترشحه وفوزه بالرئاسة ربما يؤثر ذلك على تطورات المشهد الإقليمي لما تتمتع به القاهرة من ثقل عربي ودولي، طالما أثرت به على الأجندة الدولية.

 

كتب: علي السكي

 

 

“الفريق”.. رجل المرحلة!

خلق ترشح الفريق شفيق حالة من التخبط لدى الجنرال السيسي-الذي يلقى دعمًا من قبل المؤسسة العسكرية وبعض الدول الخليجية- هذا القلق يعود لأسباب عدة أهمها، كون الفريق شفيق أحد أبناء القوات المسلحة التي ينتمي إليها الرئيس، وما يتمتع به الرجل من علاقات قوية في الداخل المصري وتحديدًا من قلب المؤسسة العسكرية، والحديث هنا عن قيادات الصفوف الأولى من الجيش التي ترى في “شفيق” خلاصًا من الحالة المزرية التي وصلت إليها البلاد في جميع المناحي، كذلك يتمتع الفريق “شفيق” بشعبية قوية في الشارع المصري فالرجل الذي حل وصيفًا في انتخابات الرئاسة عام 2012، حظي وقتها بدعم أكثر من 12 مليونًا من المصريين، وهو رقم لا يستهان به حيث يمثل تقريبًا نصف أعداد الناخبين.

ومن مواطن القوى التي كان يحظى بها شفيق قربه من رجال الأعمال الذين كانوا يتمتعون بنفوذ واسع في عهد الرئيس السابق حسني مبارك سواءً داخل مصر أو خارجها، مستندًا في ذلك إلى علاقاته التي كونها خلال تواجده في حكومات متعاقبة في حقبة “مبارك”.

وكان يستند أيضًا “شفيق” إلى حملات النقد التي يتلقاها “السيسي” من قبل الغرب سواءً لعجزه عن القضاء على الإرهاب، أو للحالة القمعية التي تلاحق معارضيه من ناحية أخرى، كل ذلك دفع الفريق شفيق إلى الترشح في انتخابات إن خاضها فستكون فرصه قوية في الظفر بها والإطاحة بالسيسي.

 

“شفيق” يحرج “السيسي”

اختار الفريق أحمد شفيق وكالة ‘‘رويترز‘‘ للأنباء ليعلن من خلالها اعتزامه الترشح لانتخابات الرئاسة في مصر عام 2018، نهاية شهر نوفمبر الماضي في مفاجأة لجميع التيارات السياسية في مصر، إلا أن الصدمة الحقيقية لمعارضي الرجل وحتى مؤيديه، كانت عندما ظهر بعدها بساعات قليلة في فيديو آخر بثته قناة الجزيرة القطرية المعارضة للنظام المصري، تحدث الفريق شفيق في الفيديو الذي أعلن يه ترشحه للرئاسة عن ملامح اُعتبرت نواة لبرنامجه الانتخابي، حيث دعا إلى ضرورة تطبيق الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، في إشارة لحالة القمع وتقويض الحريات التي يمارسها النظام المصري ضد معارضيه، وقال “إن الديمقراطية الحقة والحقوق الإنسانية الطبيعية ليست بمنحة من أحد كما أنها لا تمنح أو تطبق تدريجيًا إطلاقًا”.

واعترف بأن البلاد تمر حاليًا بالكثير من المشكلات والتي شملت جميع مناحي الحياة وأدت إلى انهيار أو تردي مستوى كافة الخدمات المقدمة للمواطنين”، وألمح إلى ضعف النظام في حل هذه المشكلات كقوله إن “مصر ليست فقيرة، وتمتلك ثروة بشرية هائلة”.

إلى هنا تبدو الأمور طبيعية، فمن حق الرجل أن يترشح بما يكفله له الدستور، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان عندما بثت قناة الجزيرة الفضائية -بعد إعلانه الترشح بعدة ساعات- مقطع مصور يظهر فيه الفريق أحد شفيق ليعلن أنه مُنع من مغادرة دولة الإمارات المتواجد بها منذ 5 سنوات، حيث كان ينوي القيام بجولة بين أبناء الجاليات المصرية بالخارج قبل العودة للوطن، لأسباب لم يفهمها أحد على حد قوله، وكانت علامات الاستنكار تظهر على وجه “شفيق” قائلًا: “أرفض التدخل في شئون بلدي بإعاقة مشاركتي في ممارسة دستورية ومهمة قانونية ومقدسة، وأتعهد لأبناء وطني بألا أتراجع عن واجبي متقبلًا في سبيل ذلك أي متاعب”.

من جهته لم يتوانى الإعلام المصري الموالي للنظام عن شن هجوم لاذع على “الرجل” وسط اتهامات بالخيانة لظهوره على شاشة الجزيرة المناهضة للنظام، وتجاهل الإعلام المصري ما تعرض له من احتجاز قسري من البلد المضيف له.

 

احتجاز إماراتي

ووجدت الإمارات نفسها في قفص الاتهام باحتجاز شخصية دبلوماسية رفيعة المستوى، وما لبثت أن ردت ولكن بلهجة قاسية عبر وزير الدولة للشؤون الخارجية، أحمد قرقاش، الذي كتب على صفحته بموقع التدوينات المصغرة “تويتر”، قائلًا: “تأسف دولة الإمارات أن يرد الفريق أحمد شفيق الجميل بالنكران، فقد لجأ إلى الإمارات هاربًا من مصر إثر إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2012، وقدمنا له كل التسهيلات وواجبات الضيافة الكريمة، رغم تحفظنا الشديد على بعض مواقفه”.

وتابع “آثرت دولة الإمارات في تعاملها التمسك دومًا بقيم الضيافة والرعاية حبًا لمصر والمصريين الذين لهم في قلوبنا وتوجهنا كل التقدير والاحترام، وتؤكد دولة الإمارات بأنه لا يوجد عائق لمغادرة الفريق أحمد شفيق الدولة”.

وكانت التغريدة الثالثة للوزير الإماراتي إهانة كبيرة حيث وجه حديثه للفريق شفيق ببيت للشاعر المتنبي قال فيه “إذا أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا”.

وصرحت مصادر مطلعة لـ”مواطن”، بأن “الفريق شفيق تم احتجازه بالفعل في دولة الإمارات ومنعه من السفر بعد إلحاحه في طلب الخروج من البلاد للقيام بجولة بين أبناء الجاليات المصرية في أوروبا، رافضًا الكشف عن قراره بالترشح، إلا أن السلطات الإماراتية فوجئت بالفيديو الذي بثته “الجزيرة” القطرية وأعلن فيه منعه من السفر في الإمارات، وما كان عليها سوى ترحيله إلى القاهرة”، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع المباشر بين الجنرالين “شفيق” و”السيسي”.

 

تراجع وانسحاب ضمني

بعدها بأيام قليلة عاد “شفيق” إلى القاهرة وسط أحداث اتسمت بالغموض والحيث هنا عن احتجازه من قبل السلطات المصرية واقتياده لجهة غير معلومة، كما قال أفراد من أسرته بأنهم لا يعلمون مكانه، وذلك بعد ساعات فقط من مغادرته مطار القاهرة.

أثار ذلك الرأي العام المصري بصورة كبيرة وتداولت أخبار أن “شفيق” يخضع لضغوطات من قبل النظام في محاولة لإجباره على التخلي عن قرار الترشح، وهو ما اتضح فيما بعد عند ظهوره على إحدى الفضائيات المصرية في مداخلة هاتفية ليعطي نفسه فرصة لفحص وإعادة تقييم الأمور، ما اعتبره البعض تراجعًا ضمنيًا من قبل “شفيق” عن خوضه الانتخابات المقبلة وفسره البعض استجابة للضغوط التي مورست عليا من قبل النظام.

البعض رأى أن “شفيق” لم يتراجع بشكل رسمي وإنما فضل أن يترك باب الترشح مواربًا لحين استقامة الأمور بالنسبة له، والحصول على تأييد واسع من قبل المؤسسة العسكرية التي تتحكم في المشهد المصري منذ ثورة يناير 2011 حتى الآن، لكن بيانه الأخير فصل القضية ومنح صكا مباشرا للسيسي للفوز برئاسة مصر لمرحلة أخرى.

 

انتقادات حادة لـ”السيسي”

لم تكن العلاقة بين الفريق أحمد شفيق والمشير عبد الفتاح السيسي على ما يرام منذ البداية، ففي عدد من التصريحات سواءً المسربة أو المعلنة للفريق شفيق كان موقفه واضحًا بمعارضة وصول السيسي لسدة الحكم في مصر.

ففي عام 2014 سُرب تسجيل صوتي لشفيق وهو يشكك في نزاهة العملية الانتخابية التي خاضها السيسي آنذاك قائلًا: “سيوضبون له كل الصناديق”، لأن الدولة كلها “سوف تعمل لحسابه”، في إشارة واضحة لتزوير الانتخابات، ووصف شفيق في التسجيل السيسي بأنه جاهل وخبرته قليلة”.

وأصدر “شفيق” بيانًا في أبريل 2016 انتقد فيه تعامل النظام مع ملف سد النهضة ووصف معالجته له بالكارثة، وفيما يتعلق بقضية مقتل الشاب الإيطالي جوليو ريجيني الذي قتل في مصر، أشار إلى الانهيار الفجائي في علاقة مصر بالشعب الإيطالي، وأرجع ذلك إلى نقص الخبرة وضعف الإرادة، والبطء في اتخاذ القرار المناسب في التوقيت المناسب.

ولعل أبرز المواقف التي عارض فيها أحمد شفيق “السيسي”، اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، وانتقال تبعية جزيرتي “تيران وصنافير” للسعودية، حيث هاجم في مداخلة هاتفية على فضائية مصرية في يونيو الماضي، السلطات المصرية، ووجه انتقادات لاذعة لها وطالب بإجراء استفتاء شعبي على تلك الاتفاقية ليؤكد سيادة مصر على الجزيرتين، وأعلن أنه كان من ضمن سرب الطيارين الذين أغلقوا مضيق تيران في مايو 1967 بقرار من الرئيس جمال عبد الناصر وقتئذ، للتصدي للتحركات العسكرية الإسرائيلية.

كذلك وجه الفريق هجومًا شرسًا للقيادة السياسية في أكتوبر الماضي، عقب حادث الواحات الذي راح ضحيته عدد من رجال الشرطة المصريين، ملمحًا لخيانة من الداخل، قائلًا :ما هذا الذي يحدث لأبنائنا؟! هم على أعلى مستويات الكفاءة والتدريب، هل ظلمتهم الخيانة، أو ضعف التخطيط لهم، أو كل الأسباب مجتمعة؟، وراى أن ما حدث عملية عسكرية كاملة الأركان، أُديرت ظُلمًا ضد أكثر أبنائنا كفاءة ومقدرة وإخلاصًا.

 

اعتقالات وأحكام قضائية

المشهد في مصر يبدو مخيفًا على مستوى الحريات، فحالات القمع التي تحدثنا عنها لمعارضي النظام من الشباب طالت كذلك المرشحين لرئاسة الجمهورية، فقد تزامن ترشح شفيق مع إعلان العقيد أحمد قنصوة وهو أحد أفراد المؤسسة العسكرية المصرية خوضه الانتخابات الرئاسية المقبلة وذلك عبر شريط مصور ظهر فيه بالبزة العسكرية ليحال بعدها إلى القضاء العسكرية ويقضى عليه بالسجن ست سنوات مع الشغل والنفاذ، لإدانته بمخالفة مقتضيات النظام العسكري، وذلك على الرغم من ترشح السيسي بنفس الزي العسكري عندما أعلن ذلك قبل 4 أعوام ونصف.

على جانب آخر يصارع المرشح خالد علي مع القضاء المصري في إحدى القضايا المتهم فيها بارتكابه فعل فاضح والمتهم فيها برفع إشارات بذيئة أمام “مجلس الدولة” بالقاهرة، عقب قضية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

القائمة الرئيسية