لندن - المملكة المتحدة 19/11/2018

هل فقد السعوديون شرفهم بقيادة المرأة للسيارة؟

خ خ خ

لم يكن من المستساغ عقلا أو شرعا، أن تبقى قضية قيادة المرأة السعودية للسيارة من القضايا الشائكة التي من الصعب الاقتراب منها أو الحديث عنها لأنها -بحسب البعض- قضية تمس شرف الرجل السعودي وتطعن في رجولته.

فعدم قيادة المرأة للسيارة كانت من الثوابت التي لا ينبغي لملك أو رجل دين، أن يتحدث عنها، لأنها بحسب زعم المتشددين منهم تفتح بابا من الشر لا يمكن سده، على الرغم أن باب الشر في الأصل مفتوح على مصراعيه وتحت سمع وبصر الرجل السعودي نفسه الذي سمح لأمراته وأمه واخته أن تكون بمفردها مع السائق الخاص، ولم يعتبر أحد منهم أن هذا الأمر من الخلوات الشرعية.

القضية إذا ليست أن تقود المرأة السيارات في شوارع السعودية، لأنها كانت تقودها في (البر)، أي في الطرق الصحراوية، وفي المدن الصغيرة بعيدًا عن عيون هيئة الأمر بالمعروف، الحكاية حكاية تحرر نفسي وذهني وديني وعملي، أن تتعلم المرأة وتختلط وتعمل وتعيش باعتبارها إنسانا كامل الأهلية، لا نصف إنسان فقط!

المتابع للمسألة منذ زمن والتبريرات التي ذكرها مسؤولو الدولة -الحكام ومن يتولى المناصب القيادية من الأسرة الحاكمة- يجد مبررهم الأقوى هو رفض المجتمع السعودي لهذا الأمر بسبب العادات والتقاليد، وكان آخرهم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي قال في معرض تصريحاته ورده على تساؤلات عن قيادة المرأة للسيارة في المؤتمر الصحفي التاريخي الذي أعلن خلاله عن رؤية المملكة 2030 ‘‘إن قيادة المرأة ليست دينية، بقدر ما هي قضية لها علاقة بالمجتمع نفسه، يقبلها أو يرفضها”، مضيفا هذه مسألة لها علاقة بشكل كامل برغبة المجتمع السعودي، لا نستطيع أن نفرض عليه شيئاً لا يريده، لكن المستقبل تحدث فيه متغيرات، ونتمنى دائمًا أن تكون متغيرات إيجابية”.

كما أن كان هناك مقطع فيديو منسوبًا للأمير الراحل نايف بن عبدالعزيز، يؤكد فيه أن قيادة المرأة للسيارة لن يحدث في المملكة ما دام حيا يرزق، متحدثا فيه عن قيمة المرأة والحفاظ عليها.

كذلك الأمير متعب بن عبدالله قائد الحرس الوطني، لم يقل صراحة في موقف رسمي بموافقته على قيادة المرأة، لكنه كان يفهم من كلامه، بأنه يؤيد هذا الأمر.

https://www.youtube.com/watch?v=fuHSh-2wMu4

على النقيض كان للأمير الوليد بن طلال، رأي صريح في قيادة المرأة للسيارة فقد أصدر بيانا تحت مسمى ‘‘حان الوقت لأن تقود المرأة سيارتها‘‘ بين فيه أهمية قيادة المرأة للسيارة للعديد من الفوائد الاقتصادية والمالية وغيرها، وأشار في سياق تطرقه للجانب الديني، الى أن الفتاوى التي حرّمت قيادة المرأة للسيارة استندت الى ما يمكن أن ينتج عنها، مشيراً الى أنها مرتبطة بزمانها، وتلك التحفظات التقليدية التي تم تجاوزها إما بفتاوى أخرى وإما بواقع الحال، وقال إن نتيجة عدم قيادة المرأة للسيارة هو “خلوة الأجنبي بالمرأة” الأمر الذي حرّمه نفس الفقهاء الذين كرّهوا قيادتها للسيارة.

 

تاريخ من المحاولات

يعود تاريخ المطالبة بقيادة المرأة السعودية للسيارة إلى العام 1990 عندما استقلت 47 سيدة 17 سيارة مطالبات بالسماح لهن بالقيادة، لكن تجمعهن انتهى بعد تصدي وزارة الداخلية لهن وإصدار بيان يعاقب كل من يقوم بالدعوة لمثل هذه الأمور.

وخفت حدة المطالبة خلال العقدين الماضيين حتى تعالت أصوات نسائية في العام 2011 لتتجدد المطالبة عبر حملة “سأقود سيارتي بنفسي”، وردت عليها آنذاك وزارة الداخلية في بيان أكدت فيه أن المنع لا يزال ساريا.

هدأت بعدها الأمور لتتجدد الدعوات بكسر المنع في الـ26 من أكتوبر 2013، وتصدت لها الوزارة أيضا.

كما قررت في 2015 إحدى السعوديات تحدي المنع بقيادة سيارتها من الإمارات إلى الحدود السعودية ليتم إيقافها عند الحدود ثم الإفراج عنها بعد أخذ التعهدات منها بعدم تكرار الأمر.

وتجددت الدعوة من سعوديات في العام 2016 عبر موقع “تويتر” لكسر المنع عبر “هاشتاغ” تداولنه على نطاق واسع بعنوان “سأقود في 15 يونيو”، ليشتعل الجدل مجددا في الموضوع الذي يراه الرافضون “إهانة لعادات وتقاليد السعوديين”، ردوا عليه بـ”وسم” آخر بعنوان “لن تقودي”.

كما قدَّم 102 مواطنة ومواطنا سعوديا (60 منهم من النساء) خطابا إلى الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان يعلنون فيه تضامنهم مع حكومة المملكة العربية السعودية ويطالبون برفع الحظر عن قيادة المرأة السعودية للسيارة وتوفير وسائل نقل آمنة للسعوديات اللاتي لا تتوفر لديهن وسائل نقل عامة وميسرة تغطي احتياجات كافة الشرائح، ووجهن دعوة إلى المواطنات والمواطنين إلى مخاطبة الجمعية للتضامن مع هذا المطالب، وطالب مقدمو الخطاب في حالة استمرار هذا الحظر «الجهات الرافضة سواء كانت أفراداً أو جهات بتعويضات عن الخسائر التي يتكبدونها يومياً على صعيد التنقل اليومي أو استقدام السائقين ومشقة توفير السكن والإعاشة وغيرها من متطلبات.

 

شيوخ الجامية

القضية ليست في قرار الملك، أو فكرة أن السعودية على أبواب الحداثة والتغيير، لكن الفكرة وما يستغربه العاقلون هي سقوط الثوابت الدينية بين طرفة عين وانتباهتها وبجرة قلم، فبعد أن مُلئت وضجت الأروقة بفتاوى تحرم أو تمنع أو تحذر ولعل أقل المبررات الدينية هي سد الذرائع، تغير الحال الآن، وما كانت تخفيه ظلمات الأمس محته شمس النهار.

لكن اليوم الفتاوى بالجملة والمبررات مع حق المرأة في القيادة، وأن القرار صحيح وموافق للشرع جملة وتفصيلا، نعم كما يقال ‘‘سقطت الأقنعة‘‘ وتبدد الظلام وأصبح شيوخ نجد الذين كان يضرب بهم المثل في الثبات على المواقف والقوة في الصدع بالحق، كلمتهم مرتبطة بقرار هذا وذاك.

ليست الإشكالية في الرجوع عن فكرة لغيرها فالاعتراف بالحق فضيلة، ولكن ليس من نقيض لنقيض، ولا يصح أن يكون العلماء الذين حرموا هم أنفسهم من يحلون الأمر بل يطلقون الأدلة الشرعية للتبرير.

لذلك على أتباع الهوى النجدي في كل بقاع الدنيا، أن يعلموا أن أغلب عمائم نجد الذين صدعونا بهم عقودًا هم «خواجات» أيضًا، ومصدر تشريعهم الأول هو الملك ومن ثم يأتي القرآن والسنة والإجماع والقياس.

 

حجة التحريم

وإذا ألقينا نظرة على سبب تحريم ركوب قيادة المرأة للسيارة كانت لجملة من الأسباب صدر بصددها بيان من وزارة الداخلية عام 1411هـ، جاء فيه: تود وزارة الداخلية أن تعلن لعموم المواطنين والمقيمين، أنه بناء على الفتوى الصادرة بتاريخ 20/ 4/ 1411هـ، من كل من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد وفضيلة الشيخ عبدالرزاق عفيفي نائب رئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء وعضو هيئة كبار العلماء، وفضيلة الشيخ صالح بن محمد بن اللحيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى بهيئته الدائمة وعضو هيئة كبار العلماء، بعدم جواز قيادة النساء للسيارات ووجوب معاقبة من يقوم منهن بذلك بالعقوبة المناسبة التي يتحقق بها الزجر والمحافظة على الحرام ومنع بوادر الشر لما ورد من أدلة شرعية توجب منع أسباب ابتذال المرأة أو تعريضها للفتن، ونظرا إلى أن قيادة المرأة للسيارة يتنافى مع السلوك الإسلامي القويم الذي يتمتع به المواطن السعودي الغيور على محارمه، فإن وزارة الداخلية توضح للعموم تأكيد منع جميع النساء من قيادة السيارات في المملكة العربية السعودية منعا باتا ومن يخالف هذا المنع فسوف يسبق بحقه العقاب الرادع.. والله الهادي الى سواء السبيل.

 

حجة الإباحة

الآن وبعد أن صدر القرار بقانونية استصدار رخصة للرجال والنساء معا، والسماح للمرأة بقيادة السيارة صدر البيان من هيئة كبار العلماء كالتالي:

إن ما رآه أغلبية أعضاء هيئة كبار العلماء، بشأن قيادة المرأة للمركبة من أن الحكم الشرعي في ذلك هو من حيث الأصل الإباحة، موضحاً أن مرئيات من تحفظ عليه تنصب على اعتبارات تتعلق بسد الذرائع المحتملة التي لا تصل ليقين ولا غلبة ظن، وأنهم لا يرون مانعاً من السماح لها بقيادة المركبة في ظل إيجاد الضمانات الشرعية والنظامية اللازمة لتلافي تلك الذرائع ولو كانت في نطاق الاحتمال المشكوك فيه.

وقال البيان الأمر السامي: “لكون الدولة هي حارسة القيم الشرعية فإنها تعتبر المحافظة عليها ورعايتها في قائمة أولوياتها، سواء في هذا الأمر أو غيره، ولن تتوانى في اتخاذ كل ما من شأنه الحفاظ على أمن المجتمع وسلامته. لذا اعتمدوا تطبيق أحكام نظام المرور ولائحته التنفيذية، بما فيها إصدار رخص القيادة، على الذكور والإناث على حد سواء، وأن تشكل لجنة على مستوى عال من وزارات (الداخلية والمالية والعمل والتنمية الاجتماعية) لدراسة الترتيبات اللازمة لإنفاذ ذلك، وعلى اللجنة الرفع بتوصياتها خلال ثلاثين يوماً من تاريخه، ويكون التنفيذ اعتباراً من 10 / 10 / 1439 هـ ووفق الضوابط الشرعية والنظامية المعتمدة، وإكمال ما يلزم بموجبه”.

 

مدح سلمان

الآن، سُحب البساط من قدم السلطة الدينية، فبعد أن كال لها مؤيدون يمدحون كافة القرارات التي تتخذ في الدولة بحجة أن وراءها رجال دين ينظرون بعين الحكمة والشرع لما فيه مصلحة البلاد والعباد، تحول المدح على مواقع التواصل الاجتماعي للملك سلمان فقد دشن مغردو مواقع التواصل الاجتماعي هاشتاج تحت وسم #الملك_ينتصر_لقيادة_المرأة.

من جهتها، كتبت لطيفة الشعلان، عضو مجلس الشورى السعودي وعضو هيئة تدريس بقسم علم النفس بكلية التربية بجامعة الأميرة نوره بنت عبدالرحمن: “يوم عظيم مجيد أغالب دموعي.. مبروك لنساء الوطن وشكرا بحجم السماء للملك سلمان”. كما أعرب المحلل السياسي سامي المرشد كتب بدوره: “السماح بقيادة المرأة خبر مفرح وتاريخي والمجتمع السعودي كان يتنظره”. وأيضا كتب الممثل السعودي ناصر القصبي على تويتر قائلاً: ‘‘قرار تاريخي.. شكراً سلمان.. شكراً محمد بن سلمان”.

في النهاية، الأمر ليس متعلقا برجولة أو تقاليد فكل دول الخليج تقريبا لديها نفس القناعات وهو الحفاظ على المرأة كما هو شأن كافة الدول العربية، لكن هذه الرجولة لم تنقلب أو تتحول حينما سمحوا للمرأة بأن تقود السيارة، وعليه لم يفقد السعوديون شرفهم بالتفريط في منع قيادة المرأة للسيارة، ولا يحق لهم أن يفكروا بهذا المنطق الذي أصبح في خبر كان.

لكن بعد التغيرات الجذرية التي تشهدها المملكة السعودي، هل ما زال شيوخ الدين في السعودية يؤمنون بأن المرأة تملك ربع عقل؟!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

القائمة الرئيسية