لندن - المملكة المتحدة 24/09/2018

المجتمع العماني بين الفوبيا الأمنية والحقوقية

خ خ خ

هنالك نوعان من الفوبيا التي نشأت في المجتمع العماني بعد مرحلة النهضة العمانية، والتي جاءت بعد حقبة مظلمة عاشتها عمان لاسيما في الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم، وكان لها سلبياتها المتعددة التي لامست كل شرائح المجتمع سواسية. الحالة الأولى، وهي الخوف من القمع والتنكيل من قبل السلطات الأمنية، والحالة الثانية وهي ذات أبعاد إنسانية من حيث مبدأها. إن المجتمع العماني مترابط في وحدته وتكاتفه وعواطفه المسالمة والممتدة من ديننا الحنيف، والرضا بات عاملا رئيسيا للصمت لدى الفرد المواطن، حيث لم يعد يتسائل أو يبحث عن حقوقه، والتي يراها على أنها مصانة في القانون العماني الذي بزغ مع فجر النهضة. وعلى الرغم أن موادها موجودة ولكنها لم تكن فعالة كاملة نتيجة خلل بعض كبارات الدولة. ومن جانب آخر فإن الأجداد والآباء قد أثروا بصورة مباشرة في خلق جيل غير واع سياسيا، وإن صح التعبير؛ فلقد تربت تلك الأجيال على فوبيا القمع الأمني الذي كان يُمارس قبل نهضة السلطان قابوس حفظة الله ورعاه، تلك الفوبيا التي تربى عليها الأجيال على مدى سنوات، إلا أنها اختلطت اليوم مع العاطفة المكنونة في داخل المجتمع العماني، والتي باتت تُعرف بالولاء والعرفان، نتيجة ما قامت به الحكومة الجديدة بعد السبعين من تغييرات جذرية وحيوية في السلطنة، وبثٍ لروح العدالة والأمن وتوفيرٍ للتعليم والغذاء والدواء الذي كان شبه معدوما في الحياة العمانية قبل ذلك، مما جعل الأغلبية في موضع الصمت تجاه مطالبهم وحقوقهم الأخرى.

لقد سلكت الحكومة مسلكا جبارا في الخروج بالمجتمع العماني إلى مصاف الدول ليكون جزءا لا يتجزأ من هذا العالم الكبير حولنا، ولقد تُرجم ذلك الصمت الذي عانت منه الأجيال سابقا في أحداث صحار وصلالة ومسقط، أبان ما يعرف بالربيع العربي الذي اجتاح المنطقة العربية بأكملها ليخرج الصامتون عن صمتهم، وينادوا بالحقوق والمطالبات المشروعة التي كانت مهمشة. حينها التفتت الحكومة الرشيدة لتلك النقطة وسارعت بالتعاطي مع تلك المطالب بنوع من الشفافية والمصداقية؛ إلا أنه تبقى ما تبقى من أخطاء لا يزال يعاني منها الفرد في مجتمعنا. لقد شملت تلك التغييرات:  الوزراء وبعض القيادات في الدولة؛ ولكن ضل آخرون في مناصبهم ولايزالون. إن الفجوة التي حدثت في تلك الفترة؛ أحدثت خللا ملحوظا وتخبطا -سواء من الحكومة أو المواطن نفسه- حيث أن الحكومة عندما بادرت بالإصلاحات، تناست النظر بشكل فعال في مسائل الحريات والإعلام الحر والوضع الحقوقي وتعاملت مع الموقف بقسوة. أما المواطن فقد كان تخبطه في نفس تلك المسائل دون أي وعي منه بها إلا لدى فئة معينة من شرائح المجتمع. إن هذه الجزئية شتت عقول الأفراد  اللاواعيين، مما جعلهم عدوانيين مع الحكومة سواء على مستوى النقد الهدام أو الإساءة وإلقاء التهم والتخوين دون وعي بماهية حرية التعيير ومفهومها السامي. كذلك انتهجت الحكومة ذات الأسلوب في ترويع حرية التعبير في عمان، ومحاولة خنقها من قبل بعض المسؤولين الأمنيين ورفضهم لمبدأ المطالبة بالحقوق والنقد البناء في المجتمع.

إن المطالبة بالحقوق أمر يقلق السلطات الأمنية، فهي لا تستطيع التعامل معه بشكل صائب، ولا يستطيع الفرد أيضا الأخذ به في النهج الأصح له، كذلك لا يتقبل أغلب المجتمع مبدأ المطالبة بالحقوق، ولا يتقبل نقد الحكومة؛ نظرا لتأثره بالإعلام الذي شوهه صورة هذا المبدأ وجعله وسيلة غربية لتدمير الشعوب، ولبث الذعر ونشر الفتن في المجتمعات. مما جعل الانقسام غير الظاهر مستمرا في التعاطي مع القضايا التي تخرج إلينا في كل مرة، وخلق شرخ طاغ بين الأفراد والحقوقيين، مما جعل بعض القضايا تذهب نحو طريق عقيم.

هناك خوف ملحوظ لايزال متصدرا بصورة أولى في الشارع العماني، وهنالك عاطفة مازالت قابعة في الصدور، حيث يترجمها الصمت وتراها حاضرة وعاصفة في كل قضية تهم الرأي العام، لذا لا بد من الأخذ بكل القضايا التي تهم الرأي العام، بدءا بقضايا الفساد التي طفت على السطح بعد 2011، شريطة أن تكون مشفوعة بالشفافية المتجردة، لكي يتسنى للأجيال وللأفراد بناء وعي سياسي وحقوقي، لن يتحقق إلا في وجود إعلام حر وصحافة مستقلة بالمجتمع؛ لتستمر مسيرة النهضة، ولتكن نهضة متكاملة.

أذكر أنني قمت بتمرير عدة رسائل عبر مواقع التواصل الالكتروني (واتس اب)، وتم تداولها في المنطقة التي أقطنها والتي يبلغ عدد سكانها ما يقارب عشرة الآلاف مواطن، لقد دُهش الأغلبية من تلك الرسائل التي تنتقد بعض أعضاء مجلس الشورى والمسؤولين في المنطقة، بل وحتى بعض المديريات الحكومية في الولاية. ووردتني عبارات من أطباء ومدراء ومعلمين ومثقفين وهم مذعورين من جرأة تلك الرسائل، بالرغم من كونها رسائل نقدية توبيخية لا تسيئ لأفراد بقدر ما تبثهم وتحثهم على العمل الجاد والمسؤولية؛ لخدمة المواطن، إذ أن هنالك انغلاق في الوعي، وعلى الأجيال والشباب والحكومة أن يدركوا تماما أنه لو تحقق الوعي السياسي لتخلصنا من الفساد في المجتمع؛ كونه مقياسا ترمومتريا للتنمية والأمان.

لابد من التحرر من عبودية الفوبيا الأمنية، والخروج منها شريطة أن تكون جميع المسائل الوطنية سامية وبناءة لبناء عمان، وتنميتها دون الاخلال بالقانون أو العبث بمكتسبات الوطن ومقوماته أو المس بسيادته أو إلحاق الضرر به،
شرط أن يلتزم كل فرد منا عند المطالبة بحقوقه، بمسؤولية احترام حقوق الآخر.

إن مبدأ المطالبة بالحقوق هو مبدأ سامي ونزيه من أجل استقرار المجتمع، ووحدته وأمنه وتنميته وعدالته؛ لنعيش جميعا كيانا واحدا. ولا بد من نشر ثقافة المطالبة بالحقوق في المجتمع، ولا يتم ذلك الا بتكاتف الجهود من قبل الحكومة والمؤسسات والأفراد الناشطين، والمفكرين والمثقفين وكافة شرائح المجتمع.

سمير الهنائي

سمير الهنائي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

القائمة الرئيسية