لندن - المملكة المتحدة 23/09/2018

لماذا أنت علماني؟!

خ خ خ

لتغلق الباب أمام الناس لفهم أي مفهوم أو مصطلح، كل ما عليك فعله هو تشويه تعريف هذا المفهوم، بدمجه بكل خطأ فردي أو جماعي في مجتمعك أو في المجتمعات الأخرى، واستخدام المصطلحات الدينية الرنّانة مثل: الأخلاق والنار والعُريّ…إلخ، لكي تُثبّت المفهوم في أذهان الناس وهو مصحوب بأشكال عديدة وصور عدّة من أشياء تثير مخاوفهم أو تستفز “العربيّ البدوّي الأصيل” داخلهم؛ ليقف وقفة صارمة أمام هذا المفهوم، فإما أن يتوقف عن السعي لفهمه أو البحث عن كل ما يتعلق به، وإما أن يحارب كل من يناقش أو يتحدث عنه!

ولعلّ أحد أكثر المفاهيم تعرضا للتشويه، بل والتقطيع والتجزئة و”التمرغة”، والأكثر وقوعا في وحل “المفردات القذرة والمفاهيم المغلوطة”، أن تقول أنّ فلان “علماني” أو يدعو للعلمانية، حتى تتراقص في أذهان الناس صورا شيطانية عدّة، من “الكحوليات” إلى “شاطئ” تستلقي عليه النساء شبه عاريات!، وليس المُراد من هذا المثال التدخل في خصوصيات الناس، بل توضيح أحد أهم آليات محاربة الأفكار الناجعة في المجتمعات الشرق أوسطية، عبر نسب كل ما لا يتوافق مع هذه المجتمعات فكريا إلى أي شيء غربي متوّج بفكرة: الكفر والتدني الأخلاقي.

ولعل أحد أهمّ الأسباب التي أدّت فعلا تشويه صورة “العلمانية” كمفهوم في العالم العربي، هو انتماء كل فرد يريد أن يجد لنفسه مجالا ضيّقا أو واسعا من الحرية إلى العلمانية، حيث يكفي أنّه يبغي أن يتيح لنفسه مجالا واسعا من حرية التخلي عن المفاهيم الدينية؛ فيصف نفسه بالعلمانية، وهنا يمزج مزجا غريبا بين الإلحاد أو حتى بين اللادينية والعلمانية!، أو أن يبحث لنفسه -ذكرا كان أم أنثى- متنفسا ومجالا واسعا في حرية التعرف بالجنس الآخر وحرية التواصل والالتقاء معه كرفض للتقاليد أو القيود المجتمعية، فينسب نفسه للعلمانية، ويخلط بين التمرد على ثوابت مجتمعية وبين العلمانية…. إلخ. كل هذه الظواهر باتت اليوم براهينا وحججا لكل محارب للعلمانية ليثبت أنّها -أي العلمانية- آفة على المجتمعات المسلمة وطريقة لتفكيكها وتفكيك أواصرها.

لست هنا بصدد الوقوف على الشواهد التاريخية للحركة العلمانية أو تاريخ نشأة المفهوم كمصطلح أو كتطبيق أو كحركة، سأكتفي فقط أن أتطرق لسلوكيات بسيطة. أنا شخصيا كعلمانيّ أطبقها وأعيشها وأنا في تسامح تام مع نفسي، وهي:

– العلمانية لا تعني الإلحاد ولا الكفر ولا التنصل من أيّ دين، بل هي أن تحترم الآخر مهما كان دينه وتوجهه، وأن تؤمن بحقه الكامل مثلك تماما، في حرية العيش والتنقل والمعتقد والفكر..إلخ.

– العلمانية ليست إساءة للأديان ولا تجنح لوصفها بالرجعية أو التخلف، بل هي تعني “إيجاد أرضية مشتركة بين هذه الأديان لتوسيع رقعة التلاقي، وتقليل فرص الاصطدام”.

– العلمانية هي الضمان الوحيد اليوم، لمجتمع حر منفتح متعاف من ترسبات المذهبية والنعرات الطائفية والتحزبات القبلية. وهو ما نراه ماثلا اليوم أمامنا في معظم البلدان العربية للأسف، فليس كافيا أن تكون الدولة إسلامية، بل يجب أن يتم ترجمة هذا الإسلام حسب مذهب معيّن، وللأسف، تغلب كل دولة مذهبها على الآخر، فمهما ادّعت أيّ دولة أنها متسامحة وعلى وفاق مع كل المذاهب، إلا أنك ستجد مذهبا ما بعينه هو الأكثر انتشارا مؤسسيا في هذه الدولة، وهو المسيطر على مؤسسات الدولة الدينية، وهو المؤثر على قرار السلطة حول مواقيت المناسبات الدينية!.

– العلمانية ليست كأس نبيذ يتشاركه مجموعة من الأصدقاء في سهرة، بل هي أن يتشارك الأشخاص الجلوس على طاولة واحدة، الذي يشرب الكحول والذي لا يشرب، والذي يأكل لحم خنزير والذي لا يأكل، والذي يؤمن بالله والذي لا يؤمن، والمسلم والمسيحي واليهودي والبوذي واللاديني والهندوسي….إلخ، دون أن تفرض اعتقادك على الآخرين.

– العلمانية ليست الهجوم على الأديان، كما يحدث في بعض المؤسسات الإعلامية الغربية للأسف، ولا الهجوم على المذاهب الأخرى، أو التشهير بالناشطين كذلك، كما يحدث مع بعض مثقفي الخليج للأسف الذين يرون في العلمانية أنها الجانب “المتسامح الخفيّ” المتفرع من مذهب ما، أو الجانب “المترف السخيّ” الذي تحدده وترسم خطوطه السلطة الحاكمة!.

أنا علمانيّ نعم، أؤمن أن هذا الكون يتسع للجميع، وأننا جميعا نستطيع العيش تحت سقف واحد، وأن الإنسانية هي الدائرة المفتوحة على كافة الاختلافاتـ، التي إذا انتميت إليها ستترجم سلاما وتسامحا حقيقيا في سلوكك وتصرفك، وليس فقط مجرد شعارات رنّانة للثرثرة بها.

نبهان الحنشي

نبهان الحنشي
كاتب وناشط حقوقي

6 تعليقات

  1. دين الإسلام عالمي لا يأمرنا بمعاداة من يسالمنا ولا الإنبطاح لمن يعادينا

    السلام عليكم
    … أولا ياأخي أجد أنك تحمل مفاهيم مغلوطة عن الدين ،،، ديننا الإسلامي الحنيف ترك للإنسان حرية اعتناق الأديان فلم يدخل أحد بالسيف ، ثانيا : هذه الأنظمة بممارساتها العلمانية هي من تسيء للدين فديننا دين نخوة وغيرة ، دين جهاد للدفاع عن الحق ، نحن دين سلام لكن ليس استسلام ،، وبالنسبة لبعض المفاهيم السائدة في المجتمع من حيث تواصل الشباب أو الحوار الفكري او حتى السياسي أو انساني أو ثقافي أو في العمل أو أي حوار تحت مظلة القيم ،، لا أرى أن الدين يحرمه ربما لدى البعض يوجد تراكمات لمفاهيم خاطئة، لكن الدين يحترم انسانية الإنسان مهما كان دينه أو عرقه نعم ديننا أتى ليخرج العباد لنور الإسلام لكن في النهاية يترك لكل شخص الإختيار وفي الآخرة يحاسب،، أما أن نكون دولة علمانية فكلا وألف كلا نحن أمة مسلمة ولله الحمد … نحتاج أن يصحح للناس المفاهيم والمعتقدات الموروثة والمخالفة للدين … تقبلوا مروري

  2. طالما أن كل الشعب مسلم فهل نحكم غير الإسلام دينا ، أما الصراعات المذهبية فالذي أعتقده أن هذه الأنظمة العلمانية وإن تصبغت بصبغة دينية هي وعلماء السلاطين هم من يؤججون الخلافات المذهبية … أما البلدان المسلمة التي بها أقليات غير مسلمة فإنهم عاشوا في ظل الدولة الإسلامية عندما كان يحكم بالإسلام خير حياة محفوظ لهم حقهم حتى بعضهم الآن هو يريد أن يحكمنا دين الإسلام الحقيقي .

  3. أما السلام فلا أثق بأحد يدعو للسلام ولا يعد الشعوب للجهاد ويحببها فيه لتكون جاهزة عند الضرورة مقبلة غير مدبرة ،، فإذا كنت تدافع عن حق وهناك من يحارب الحق وأهله لا يجب أن تكون في سعيك هذا مترددا من دفع أعلى التضحيات وهي الدماء والروح وهذه التضحيات لن تعطيها بسخاء إن لم تكن تؤمن أنك تنال بعدها حياة أخروية منعمة ،، لذلك الجهاد ذروة سنام الإسلام ،، وعلى الشعوب التي خدرت ونست حياة الجهاد ، ان تسعى لأن تختار اماما مجاهدا بإخلاص في سبيل الله يجاهد بنفسه وماله ويعد شعبه للجهاد ويكون قدوة لهم في ذلك لا ان يرعبهم من فكرة الجهاد لا يعدهم له إلا إن كان دفاعا عن نظامه !! وأعتقد أنها فرصة الشعوب العربية وخاصة من يسعى للتغيير لإحداث التغيير الجذري ، ولندفع الثمن لتعيش أجيال قادمة حياة حرة أبية معتزة بدينها وتختار حاكمها ويكون القوي الأمين الذي يعم عدله البلاد والعباد فبهذا تعيش الشعوب بعدها في أمان حقيقي وهي تنعم بعدالة وتستمتع بدفع الروح للحفاظ على هذه النوعية من الحياة العادلة الكريمة

  4. والجهاد الذي نقصده الجهاد الحق الذي يكون في سبيل الله الذي يطلب صاحبه منه رضا ربه فيكون. قد تخلق بأعلى درجات الأخلاق فيكون ذا غيرة ونخوة وشهامة ؛ تمنعه من الإعتداء على المحرمات لا كما تفعل بعض أنظمة اليوم التي تستخدمه لضرب قيم الدين ولا كما تستغله أخرى في تشويه صورة الجهاد وترعيب الناس من الجهاد الذي به تعلو راية الأمم ويرتدع العدو

  5. نريد مجلات معارضة سواء الكترونية أو غيرها لكننا نريد مجلات واعلام معارض اسلامي ..
    لماذا عندما نرى في بلادنا اعلام خاص أو شبه معارض يكون غير اسلاميا؟!!!
    الإعلام الإسلامي الذي يسمح لنا بإبداء الآراء وتداول الأفكار ويكون ملتزما ومصححا ومصلحا في نفس الوقت.. هو الإعلام الذي تتعطش إليه الشعوب المسلمة

  6. “””بالنسبة للعلاقة بين الجنسين فانه لايصلح لها علاقة اللاعلاقة ولا أن تكون بالمقابل قائمة على الغواية يغوي أحد طرفيها الآخر … فنحن في عالم واحد وأكيد ستتعامل مع امرأة وهي ستتعامل مع رجل ، فإذا كانت لديهما هذه الأزمة المفتعلة من حيث التعامل بالطرف الآخر لاستصعبا الأمر وأصيبا بالرهبة من هذا التعامل ، أو وقعا فيما لايحمد عقباه ؛ لكنهما إذا وضعا خريطة لتعاملهما بالطرف الآخر ونظرا للآخر من جانبه الإنساني مع التزامهما الديني لكانت العلاقة بين الجنسين أهون .. فالشيء إذا عرفه الإنسان تعامل معه بيسر وسهولة دون أفكار مسبقة، أو خوف نفسي من هذا التعامل”””

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

القائمة الرئيسية