لندن - المملكة المتحدة 23/09/2018

مرة في العمر..وآخر مرة

خ خ خ

كعادتي الأسبوعية، أتصفّح التطبيقات الخاصة بالسينما وعروضها الجديدة، حينما رأيت فيلما عربيا بعنوان “مرة في العمر”، وخلال تمعّني في “بوستره” لفتني أنه إنتاجٌ عماني، فقلت في نفسي: تطوّرنا!. لمَ لا نشاهده تشجيعا للعمانيين، ورغبة في رؤية جديد وتطورات مجال السينما العمانية؟، فتابعت إعلان الفيلم في اليوتيوب وبدا لي -نوعا ما- جيدا ولاسيما أنه يتحدث عن عادات ظفار وسكان الجبال؛ فتشجعت وحجزت تذكرتين لي ولصديقتي لحضور الفيلم، ولا نخفيكم أننا جعلنا في نفسنا مستويات أقل للتقييم – جبرا للخواطر- على خلاف دخولنا لفيلم آخر حيث نضع في حسباننا الدهشة وتوقعات مرتفعة، فكنا نتوقع أن على الأقل سيكون الفيلم جيدا، وأن هناك قيمة ثقافية يمكن أن يضيفه لنا، أو أنه قد يعرّفنا بصورة أكبر على مجتمعنا، أو على الأقل سيتولد ذلك الشعور بالإندماج مع الشخوص ومشاعرها.

في هذا المقال، سأورد انطباعي حول الفيلم وأحاول تحليله بعين مشاهد عادي، لا يفقه ما وراء كواليس الكاميرا وحركاتها، ولا يفقه كثيرا في المدارس السينمائية، ولا حتى تقنيات الإخراج وتقنيات الجرافيك، فهو يتأمل فقط أن يرى فقط “فكرة أو أدبا” يدهشه، “شعورا” يفرّغ ما بداخله ويجعله يندمج، أو يستمتع بقضاء وقته -على أقل تقدير- في شيء جميل يلامسه أو يبعث في نفسه مزاجا جديدا.

سأركز في مقالي على عنصر “السيناريو” أو النص وكذلك “الفكرة”، والذي أراه ضعيفا في الفيلم كبقية الإنتاجات العمانية المرئية أكانت فيلما أو مسلسلا أو إعلانا.

تقدير:

أولا، وقبل كل شيء، أوجه شكري وتقديري للمخرج والممثل سالم بهوان الذي لم يفقد الأمل، وما زالت جهوده مستمرة محاولة تقديم الأفضل على الرغم من الصعوبات والعوائق التي تعترض هذا الطريق، فيحسب للفيلم أنه:

(1) حاول أن يوضح واقع المجتمع الظفاري في الجبل وطبائعه. والأمر الإيجابي هنا يكمن في وحدة لحمته – المجتمع الظفاري- والتضامن الاجتماعي القوي، وعادات التكافل الاجتماعي في الحياة اليومية، وتلك العادات السلبية منها التسيب الوظيفي عند البعض، وزواج كبار السن من فتيات صغيرات، والتعصب ضد الآخر، والتوجس منه بسبب اختلاف العادات والتقاليد والطبائع أيضا. فعلى الرغم من أن هدف الفيلم كان واضحا على أنه يركز على الترويج للسياحة في عمان، إلا أنه لم يبالغ في وصف واقع محافظة ظفار ومشكلات مجتمعه، فقد وفق المخرج في إيحاءاته وإشاراته.

(2) حاول ترسيخ مبدأ الوحدة طوباويا، بأن أصلها الحقيقي يكمن في إمكان “التصاهر” بين ثقافات المجتمع الواحد، وليس الشعارات والاعتبارات المادية الأخرى.

(3) لم يمارس الخيالية والتلميع في إمكان زواج “الشمالي” بـ “الجنوبية”؛ بل أورد بعض الأحداث التي تبين صعوبات ذلك والصراعات التي يمكن أن تحدث حينها.

(4) أشار الفيلم إلى التأثر الثقافي الذي يأتي من المدينة، وكيف يمكن أن تنتقل المدنية والتقنية الحديثة للريف والجبل.

القصة:

يحكي الفيلم قصة شاب ثري من العاصمة، يهوى التصوير وعزف الساكسفون، يذهب لظفار في رحلة استجمام؛ فيعجب بفتاة ظفارية بكماء لديها مرض رئوي، ويحاول التعرف عليها عن قرب لكن يواجه بعض المشكلات بسبب طبائع أهل الجبل الحامية في ما يرتبط بمسائل الشرف، ثم تواجهه متاعب أخرى عندما يحاول خطبتها، حيث وضعوا له عراقيل عدة بسبب اختلاف العادات والتقاليد، ومن هذه العراقيل أن خال الفتاة جعل ابن خالتها يتقدم لها على الرغم من أنه متزوج، وذلك بدعوى أن القريب أولى من الغريب. ولكن بعد إصرار الفتاة ومساندة عمتها وفشل كل الحجج والخطط للرفض تم الزواج، وفي هذا تم استعراض عادات الجبل الإيجابية في التكافل الاجتماعي، والمساهمة في تكاليف الزواج، وتم استعراض الرقصات والأغاني الفلكلورية الظفارية التي أضفت جمالية للفيلم. وبعد أن انتهى العرس وتمت زفة العروس لغرفتها، تعرضت لنوبة من السعال أدى بها إلى الاختناق.

ملاحظات ومؤاخذات:

(1) قصة الفيلم -نوعا ما- مستهلكة، والنهاية المأساوية متوقعة؛ فلم نلحظ شيئا جديدا يدهش المشاهد. وكان من الممكن تخطي ذلك لولا “فقر السيناريو”، فمن الواضح أن الفيلم جعل هدفه الترويج السياحي لمحافظة ظفار؛ فالأغاني وحركة الكاميرا التي ركزت على المناظر الطبيعية أخذت حيزا كبيرا في الفيلم. وعلى الرغم من أن مدة الفيلم 80 دقيقة؛ إلا أن هذا الاستعراض خلق فراغا يُشعر بالرتابة.

(2) على الرغم من وجود قصة وأفكار وإشارات اجتماعية استعرضها الفيلم، إلا أن هناك فقرا جليا في الحوار الداخلي والحوار الخارجي؛ فلم يحدد الفيلم الصراع الذاتي، أو تلك الحوارات الغنية التي تشعر المشاهد بالقرب والتلامس. الحوار يشكل أساس بنية الفيلم وصيرورته، وهو العنصر المشوق في السرد والذي يجعل المشاهد يكمل الفيلم. ومن الواضح أن كل عبارة في الفيلم لابد أن تمثل فكرة وعنصرا هاما يحوي هدفا، بحيث أنها ليست مجرد “سوالف لتمضية الوقت”، أي أننا بحاجة إلى تكثيف جانب الحوار فكريا وأدبيا وشعوريا.

(3) الانتقال من حدث لآخر كان غير متسلسل، وأذر سريعا عدة مشاهد من الفيلم منها “موافقة الفتاة على الشاب، موافقة الأب ورضاه للزواج من ابنته، انتقال فكر الخال من تسويق العلف بالطريقة البدائية إلى الطريقة الحديثة”، وجميع ما سلف حلقات مفقودة في الفيلم.

(4) لغة الجسد كانت غير متوافقة مع المواقف ولاسيما لدى البطل؛ فنلحظ ان إيحاءاته أتت مختلفة عن ما يفترض أن يكون؛ وعلى سبيل المثال “عندما أصيب زوجته بنوبة السعال؛ لم توح ملامحه بالخوف أو الارتباك مقابل ما أوحى لنا الفيلم بمقدار حبه لها، وكذلك عند موت زوجته وجهه لم يكن يوحي بالحزن بقدر ما يوحي بشخص محبط من خسارة بورصة!”

(5) هناك تفاوت في مستويات الممثلين في الفيلم، وكان ذلك واضحا، فمثلا نرى الظفاريين جيدين في التمثيل وهناك اندماج واضح في النص؛ إلا أن البطل كان يبدو مبتدئا ولا يملك تجربة غنية في هذا المجال، كان صامتا طوال الوقت، وإن تكلّم ليته لم يتكلم، مما يوضح الركاكة في عباراته والخجل وعدم الاتقان- مع احترامي لمحاولته!

(6) على الرغم من النهاية المأساوية للفيلم بموت الفتاة، فإننا كمشاهدين لم نتأثر، ولم يحرك فينا ذلك شيئا على خلاف الأفلام الأخرى، وهذا يدل على قصور لغة الجسد في الفيلم والتكلف وعدم التوفيق في اختيار الممثلين.

(7) هناك نوع من الرومانسية في تصوير شاب المدينة وهو يعزف الساكسفون، فهذا لا يمثل واقع شاب المدينة عموما، بل تلك حالات نادرة جدا جدا، واستغراق الفيلم في عرض معزوفاته أدى إلى صرف نظر واضح عن القصة المراد إبرازها.

في النهاية، لم أكتب هذا المقال لانتقاص قدر الفيلم، ولكن شيء ما كان في الخاطر وفي خواطر الكثير من العمانيين الذين يشاهدون الإنتاجات العمانية؛ فيصابون بالإحباط، ويعزفون عن مشاهدة الأفلام والدراما العمانية، بل أنهم يفقدون الأمل في أحيان كثيرة. ولكن مع ذلك نقدر هذا الجهد، ولا ننكر الصعوبات التي يواجهها السينمائيون ومنتجو الدراما المتمثلة في الأسباب التالية:

(1) ضعف في المؤهلات، وقلة الكوادر بسبب سيادة سياسة “سوق العمل”؛ لطمس التخصصات الإنسانية والفنية الراقية، ومنها على أقل تقدير “التمثيل المسرحي” الذي يعد أبا للدراما والسينما، فعندما تراجع المسرح ودوره تراجعت كل توابعه.

(2) سياسات الدعم الحكومي، إذ ليس من أولوياتها تحسين الإعلام و والدراما والسينما، لهذا لا يلحظ الناشطون في هذه المجالات التقدير المادي الذي يجعلهم يكملون ويخلصون لهذا المجال، وبالتالي نراهم في بلدان خليجية أخرى يتمتعون بتقدير ومعاملة وعروض أفضل ماديا، وحتى على مستوى جودة العمل المطروح لهم.

(3) بسبب عدم وجود الدعم المادي الجيد؛ تكثر التصرفات الفردية التي تتلاعب بميزانيات العمل ليضع جزءا كبيرا منه في جيبه ويستخدم الجزء الآخر لعمل شغل “بتاع أي كلام” ليقال “أننا عملنا هذا العمل”.

(4) الحساسية الاجتماعية و”الخصوصية العمانية”، هي عناصر غالبا ما تستخدم من قبل المجتمع والسلطة لتثبيط أي عمل فني في هذا المجال، وبالتالي يضطر المنتج والمخرج إلى الرضوخ لحدود “الداعم” الضيقة”.

(5) ندرة التوجه الرأسمالي لهذا المجال وعدم الاستقلال، وبالتالي أصبح الدعم مشروطا، وقلص مستوى الحرية في الطرح وأدى إلى تراجع مستوى النص والفكرة.

ابتهاج يونس

ابتهاج يونس
كاتبة عمانية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

القائمة الرئيسية