لندن - المملكة المتحدة 21/09/2018

انفصال

خ خ خ

“كان من الجميل لو كنت شجرة على الطريق، على أن أكون مدركا لذاتي بهذا الشكل المأساوي”.

كتب أحدهم هذه العبارة؛ ليجسد فيها معاناة الإنسان وانقساماته الداخلية والوجودية منذ بدء التاريخ البشري، هذه المعاناة التي تبدأ بإدراكه لذاته ككيان منفصل عن الطبيعة والمحيط الخارجي، وقدرته على تذكر الماضي وتصور المستقبل بخلاف بقية المخلوقات الحية غير المدركة لذاتها كجوهر مستقل ومنفصل عن الطبيعة، والتي لديها من المؤهلات الغريزية ما يجعلها سريعة التأقلم، والتكيف مع البيئة المتغيرة، وإذا لم تفلح في تكييف مؤهلاتها الغريزية مع البيئة ماتت أو انقرض نوعها، بخلاف الانسان الذي شهدت مرحلة ظهوره نقص في المؤهلات الغريزية، وتطور معقد للدماغ البشري، والذي تحول إلى لعنة وخلاص في ذات الوقت للإنسان.

يبدأ هذا الانقسام الداخلي للإنسان منذ أن قُذف في الحياة دون إرادته، وسيخرج منها دون إرادته، في فترة قصيرة من العمر لا تكفي لتحقيق كل إمكانياته الداخلية المطلوبة؛ فهو الكائن الوحيد الذي يشعر بانفصال ذاته عن الطبيعة؛ ولكنه في نفس الوقت جزء منها؛ فلا هو قادر على أن يغير من قوانين الطبيعة، ولا هو قد استطاع تحقيق الاتصال التام معها دون حتمية الصراعات بينهما. وعقله الذي يجعله يبحث عن حلول وإجابات وجودية لا مناص من الفرار منها؛ فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يفكر بإشكاليات وجوده، وهدف الحياة وما هو المطلوب منه ككائن حي، وهو الكائن الوحيد الذي يشعر بالملل والضجر ويعاني من تقلبات نفسية متعددة نتيجة هذا الوعي المعقد الذي يملكه.

إن الشعور الداخلي بالانفصال والوحدة، يخلق توتر نفسي للإنسان وقلق تختلف حدته من إنسان لآخر منذ بدء التاريخ البشري، وكأنه عاجز أن يحقق الانسجام التام مع الطبيعة والوجود، وربما يتطور هذا الاحساس إلى “جلد الذات” الشديد أو الشعور بالذنب، لذلك يبحث الإنسان دائما عما سيعيد لديه الشعور العميق بالوحدة والاتصال بالطبيعة؛ ليتخلص من هذا الانفصال الذي يشعر به في داخله، وانعكس ذلك على تطور الوعي البشري منذ القدم إلى الآن في إيجاد حلول لهذه المسألة.

لقد كان الانسان القديم أقرب للطبيعة والوحدة معها، ولقد كانت الارض بالنسبة إليه الأم التي تحتضنه، والتي لا يشعر معها بذلك الانفصال الذي يشعر به الانسان الحديث، حتى أن الكثير من الآلهة التي كان يعبدها هي من الطبيعة، كالأفعى والنسر وغيرها من الحيوانات.

وحتى تُحل مسألة الانفصال هذه؛ فقد كانت الطقوس والشعائر الدينية في المجموعة تلعب دورا مهما في ذلك، وبالإمكان التماس ذلك في الكثير من القبائل الافريقية البدائية التي لا تزال تمارس هذه الطقوس إلى الآن، ومن خلالها يشعر بالاتصال بالطبيعة والاتحاد المتجلي في الرقص والموسيقى والشعوذة وغيرها من الطرق والوسائل، وكلما تقدمت الحضارة؛ ازداد شعور الانسان بالانفصال الذاتي والاغتراب والقلق، نتيجة الثورة الصناعية وما تلاها من ثورات جعلت الانسان متسيدا للطبيعة، لكنه مغترب عنها في ذات الوقت.

وحاول الانسان الحديث أن يحل هذه الاشكالية بالعديد من الطرق، تصدرت الكحول والمخدرات والادمان القائمة على الجنس، لإعادة الشعور بالاتصال الداخلي بالطبيعة والشعور بالانتشاء، والذي تقوم بتحقيقه هذه الطرق مؤقتا، لكنه سرعان ما يعاود الندم ويزداد قلقا ويشعر بالاغتراب بصورة أكثر، لأنه يدرك أنها مجرد مخدرات مؤقتة قد تؤذيه لاحقا، ولا يمكنها أن تعطيه إلا نشوة اللحظة تلك ، وأن الجنس أضحى ممارسة جسدية خالية من الحب، وقد يفقد بريقه تدريجيا لذلك.

وحاولت العديد من المجتمعات رفع شعارات مثل:
(الوحدة الوطنية هي الحل)؛ لتقلص من اغتراب الإنسان، وشعوره بالانفصال الداخلي عن طريق الاندماج مع الجماعة وأفكارها ومعتقداتها وموروثاتها،  والحق يقال بأن من الأدق القول: (التشابه هو الحل) نظرا لان مفهوم الوحدة صار يعني التشابه، وحينما يختلف إنسان في فكره أو نظرته للأمور عن الجماعة؛ فإن سرعان ما يراوده شعور القلق والندم وربما وصل به الأمر إلى الاعتقاد أنه مجنون، أو الشعور بالاغتراب عن الجماعة والوحدة معها، ذلك أن الكثير من المجتمعات ومن بينها مجتمعاتنا العربية لم تدرك للآن مفهوم الفرق بين (الوحدة) و (الاستنساخ والتشابه)؛ فقد تتحقق الوحدة هذه في مجتمع متعدد الأطياف والألوان، فالاختلاف لا ينفي الوحدة والانسجام، بل يبعث في الفرد الحياة والتنوع أكثر.

وهكذا فإن الانسان في هذه المجتمعات لا يكفيه الشعور بالانفصال الداخلي، بل تزيده الجماعة اغترابا أيضا، معتقدة أنها تحل مسألة الانفصال هذه عن طريق الذوبان في كل ما تقدمه، وقد تجد العديد من البشر لا يدركون حتى “مسألة الانفصال عن الطبيعة” أو اغتراب الانسان نتيجة تماهيهم السلبي -دون تفكير- مع البيئة التي يعيشون فيها، معتقدين أنهم يحققون الاتصال حينما يكونون متشابهين!. ويبدو أن الصدف وحسن الحظ تضافر ليجعل من مجموعتهم “الأفضل والأرقى معرفيا” بين باقي البشر.

يقدم فروم في كتابه (فن الحب) إشكالية هذا الانفصال وطرق حله، ويؤمن بأن الحب أعمق شعور إنساني، كفيل بإعادة الانسان إلى الاتصال بالطبيعة من جديد والإنتاجية، ولكن العديد من الناس بل غالبية الناس لديهم مفهوم مقلوب عن الحب؛ فهم يعتقدون أن أسهل مهمة هو أن تحب، بينما الأصعب أن تجد إنسانا يليق بحبك هذا، والحقيقة فإنه على العكس من ذلك تماما، فإن الحب أصعب من  أن يكون مجرد مسألة “إيجاد الشخص المناسب” كما أنه أكثر شمولية؛ فلا ينحصر في العلاقة بين الجنسين فقط، إنه فن ككل فن بحاجة إلى جهد ومعرفة وتعلم وانضباط.

فجل ما يسيطر على تفكيرهم ليس كيفية الحب، وما هو الحب أكثر من كيف أجعلني محبوبا وجذابا من قبل الآخر؟؛ فتحقيق الغاية أهم من الكيفية و طبيعة الحب ذاته وفاعليته.

وقد يتعلق الإنسان بأحدهم في اعتقاده أن ذلك حبا وهوى، حتى يدرك أنه مجرد أن يكون هروبا من انفصاله الذاتي وشعوره بالوحدة، وإيجاده لأحد مؤقتا حتى يشبع رغبته في الاتصال والشعور بالحب.

إن الحب ليس مجرد شعور سلبي لا يتعدى إطار المشاعر والانفعالات العاطفية اتجاه شخص واحد فقط، بل هو شعور عميق داخلي  يدفعك بترجمة حبك على أرض الواقع  بالعطاء سواء الاهتمام بالمحبوب، والسعي لرؤيته إنسانا منتجا أو العطاء للآخرين وعمل الخير، وقد يعتقد أحدهم أن العطاء لابد أن يرتبط بإفقار الانسان، بحيث يتخلص مما يحبه، ويضحي لأجل الآخرين ويحرم نفسه من المتعة والفرح؛ لكن العطاء لا يقصد به التضحية بنفسك أو حرمانها، إنما ذلك الشعور الداخلي بالحب الذي يدفعك لمشاركة الآخرين أو مشاركة محبوبك المعرفة والاهتمامات والفرح والحزن، وبذل الجهد لرؤيته بأحسن حال .

والحب الذي يدفعك للعطاء هو كأي فن؛ فإنه يحتاج لكي ينضج متطلبات من بينها: الاهتمام والمسؤولية والإحترام والمعرفة.

إن الاهتمام أحد أساسيات الحب، ويبلغ ذروة تجليه في اهتمام الأم بطفلها “الغير مشروط”، فهي ترعاه باهتمام شديد حتى يكبر ، ولابد من وجود المسؤولية لدى الانسان والمسؤولية ليست مجرد فرض خارجي عليه دون اقتناع داخلي وحقيقي بأنه مسؤول. والمسؤولية تعني: أن تكون مستعدا وقادرا  على التجاوب المرن مع الآخر بصبر، دون الهروب منه، ولا يمكن أن يكون المرء مسؤولا وقادرا على العطاء والتجاوب مع الآخر دون أن يحترمه، والاحترام ليس مجرد شعور أو خوف من الآخر يفرض عليك احترامه، بل هو كما يقول فروم (القدرة على أن ترى الآخر كما هو، أن تكون مدركا لفرديته) فهو ليس أداة للاستخدام لأجل مصالحك الشخصية وحسب.

ولا يمكن أن تحترم فردية الانسان أو تكون مهتما ومسؤولا عنه دون “المعرفة” -الشرط الرابع لفن الحب- فأن تحب يعني أن تعرف  الآخر أكثر، فما يظهر لك أنه عصبية وغضب منه، قد يكون مجرد مظهر لشيء داخلي يخفيه.

إذا، فالحب هو العطاء وليس شعورا داخليا فحسب، لا يترجم بفعل وأن تحب أصعب من أن تجد “موضوعا” لتحبه، هو فن بحاجة إلى جهد ومعرفة وخبرة ذاتية،  وهو الذي سيعيد للإنسان الشعور بالاتصال والوحدة مع الطبيعة من جديد.

ويبقى السؤال قائما: هل المجتمع العربي -وخصوصا الخليجي- يساهم في خلق أفراد قادرين على الوصول إلى هذا المفهوم العميق للحب، والذي قد طرحه فروم؟. فكما هو ملاحظ أن مجتمعاتنا قامت بتقزيم مفهوم “الحب الشمولي”  ليكون محصورا في العلاقة بين الجنسين فقط.

إن علاقتنا مع الوالدين والآخرين قائمة على فكرة “الاحترام” المفروض كسلطة خارجية على الفرد إما خوفا من الاعتراض والاختلاف، أو عادة وجد عليها آبائه والذين يرددون دائما على مسامعه مسألة توقير الكبير، والتي يبدو أنها تعني (عدم الاعتراض أو التعبير عن الاختلاف) أكثر من الاحترام المرتبط بالاعتراف بفردية الآخر المختلف عني، كما أن من الملاحظ في الأسرة العربية، أن الابن يُلقن منذ الصغر بأن الرجولة مرتبطة “بعدم إظهار المشاعر”، وأنها مسألة تتعلق بالفتيات، حيث يفتقر الطفل “الذكر” في المرحلة الأولى من حياته إلى العاطفة المتوجة لأخواته الاناث أكثر، هذا الفقر العاطفي الذي سيجعله لاحقا -حينما يكبر- يبحث عنه في الأخريات بشكل فوضوي وغير نزيه أحيانا، أو أنه سيتحول إلى “رجل” خجول أو قاس يخشى البوح عن عواطفه.

وحينما نأتي لمسألة الحب بين الجنسين فإننا -مما يأسف له الحال- نجده مرتبطا بالضرورة بمفاهيم كالعيب والعار والفضيحة، وأنه سيقود إلى الخطيئة حتما! لذلك تجد أن الرجل والمرأة يعيشون في كبت مستمر، حتى إن أتيح لهما المجال للتعرف على الآخر؛ فإنه سرعان ما يقعون في الحب والتشبث بالآخر، والتي قد تكون مجرد
“نزقة” مؤقتة، يفرغ فيها افتقاره الطرفين للحب طوال تلك السنوات، فيتحول الحب إلى “انفعالات عاطفية” قد لا يصحبها مسائل هامة مثل القدرة على تقبل الآخر المختلف عني، وأن الحب الغير مرتبط “بالعطاء” والشعور بالمسؤولية لرؤية الآخر أفضل حالا وأكثر إنتاجية هو حب سلبي، وأنه لا يعني محاولة فرض السيطرة على الآخر بل هو مشاركة من الطرفين.

إن الحب والحرية مرتبطان ببعضهما البعض، حيث لا حب حقيقي طالما لا يوجد بيئة تسمح للفرد بممارسة فرديته، ومشاعره بأريحية؛ فالعطاء ينمو ويكبر حينما يشعر الانسان بأنه حر وقادر على التعبير عن ذاته، وأن خياراته متعددة وإمكانياته المختلفة غير مكبوتة.

إيمـان

إيمـان

تعليق واحد

  1. كتابه حصيفة تحتوي معاني فريدة؛ فقد ينقص المرء من قدراته الكامنة في التوجه السليم نحو تفعيل روح الثقة التي يسير علبها الإنيان بخطى حثيثة وإدراك نفس الإنسان في تجليات وجوده نحو معاني الحرية الحقة … بارك الله فيكم ومزيد من التقدم اختي الفاضلة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

القائمة الرئيسية