لندن - المملكة المتحدة 21/09/2018

الضمير التسلطي و الضمير الإنساني

خ خ خ

يؤكد الكثير من علماء النفس على مدى أهمية مرحلة الطفولة في حياة الانسان، ومساهمتها في تشكيل طبعه، وأفكاره الأولى وأخلاقياته العامة، حيث تُختزن الكثير من الأفكار في عقله اللاواعي، والتي سيصبح بعدها من المستحيل تغييرها جذريا، فيما يسمى لدى علماء النفس “بالحتمية”.

ولكن لا يعني ذلك أن الإنسان ضحية الحتميات والترسبات التي ساهمت في تشكيل وعيه؛ بحيث تجعله لا يحاول أن يغير من سلوكه وأفكاره إلى الافضل، فالإنسان من بين كل المخلوقات قادر على فهم دوافعه الحقيقية التي تختبئ خلف سلوكه، وهذا الفهم هو الذي سيساعده فيما بعد على أن يستغل الدوافع الخيرة والمنتجة أو ما يسميه “فرويد”: بدافع الحياة، وكل ما من شأنه أن يبني وينتج ويحاول تجنب تفعيل دافع الشر أو (الموت).  وفضلا عن ذلك فإن الانسان يملك ضميرا، هو ذلك الصوت الداخلي فيه والذي يناديه دوما للعودة إلى ذاته والانصات إليها بعيدا عن ضجيج المحيط الخارجي ، وكما قيل(استفت قلبك وإن أفتوك).

وكما اتضح لنا فإن مرحلة الطفولة، تلعب دورا بارزا في بناء شخصية وأفكار الانسان اللاحقة، وعليه تتحمل الأسرة ومن ثم المدرسة  المسؤولية الكبرى في تشكيل وعي الطفل، فضلا عن البيئة الخارجية. ولكن المشكلة تكمن حينما تتحول الأسرة أو المدرسة أو المحيط الخارجي من مرب وحاضن للطفل إلى قوة تسلطية أو كما يقول بعض العلماء إلى  “ضمير تسلطي”  من شأنه أن يخلق فردا مشوها، غير قادر على أن يفهم دوافعه الحقيقية أو خائف من فهمها؛ لأجل أن لا يعصي السلطة الخارجية  بعيدا عن ذاته وفرديته؛ مما يخلق في داخله نوعا من الاضطراب والازدواجية الحادة بين ذاته المشوهة ورغباته الكثيرة.

 والبيئة التي تنزع إلى القوة التسلطية هي بيئة خصبة لخلق أفراد مشوهين، مصابين بالعصاب. ويقصد بالضمير التسلطي: القوى الخارجية التي تأمر الإنسان بفعل نمط معين من السلوك والفكر والأخلاقيات، ومع مرور الوقت تتوغل في ذاته، سواء أكان صوت الأسرة أو المدرسة أو غيرها. ومن الملاحظ أن سلوك الفرد فيها يكون وفق مبدأي” الخوف من العقاب والأمل في الثواب”، أكثر من تجربة ذاتية حقيقية واقتناع داخلي بما يقوم به، وشيئا فشيئا تتوغل هذه السلطة في ذاته، بحيث يكون الفرد عاجزا عن الفصل بين ما يمليه عليه ضميره الحقيقي وبين ما تمليه عليه السلطة الخارجية( الضمير التسلطي)، ويتحدد الحكم على السلوك أو الافكار بناء على ما يتم فرضه عليه؛ حيث يصبح الإنسان مطيعا خيرا إن خضع لأوامرها دون عصيان.

 ومن الغريب أنه في البيئة التي يسيطر عليها هذا النمط من الضمير التسلطي، تعتقد بأن الإنسان يبدو مذنبا حينما يشعر بفرديته واستقلاليته وعزة نفسه، وعلى العكس فهو يشعر بالذنب والاثم إن قام بعصيانها، وكما قال القديس أوغسطين  “لأن الضمير الآثم عرض من أعراض خوف المرء وارتجافه أمام السلطة”.

وتعد السلطة الأبوية أحد أهم الامثلة التي تمثل هذا النوع من الضمير، فحينما تتحول إلى تسلطية أكثر من نافعة ومساعدة للطفل أن يجد ذاته، حيث أنه في بداية حياة الطفل يكون من الحتمي على الآباء أن يعلموا أبنائهم الأخلاقيات العامة والصواب والخطأ؛ ولكن يتحول ذلك في العديد من الأسر إلى مرض يخلق فردا خائفا وقلقا من عصيان أبويه أو عدم إرضائهم، وتترسخ في ذهنه مفاهيم الطاعة العمياء ولو على حساب ذاته، فهو يخشى فقدان رضى أحدهما، ويساهم الأبوان في ترسيخ الشعور بالذنب لدى الفرد  حينما يريد الآباء أن يكون أولادهم خدومين لكي يعوضوهم عما فاتهم في الحياة، وناجحين حتى يعوضوهم عن فشلهم وإخفاقهم الذاتي في أمر ما، وفي أحيان كثيرة يغضب الابوان حينما يعتنق الفرد أفكارا تتلائم مع زمنه الحاضر، ويرغبان بأن يفكر ويتصرف كما فكروا هم في الماضي، وكأن الماضي ليس مختلفا في تركيبته الاجتماعية والثقافية والسياسية عن الحاضر .

وحينما يذهب الطفل للمدرسة، فإنه يجد كذلك مناهج التعليم – وخصوصا في مجتمعاتنا-  تعتمد على تلقين الطفل ما يجب عليه أن يفعله ويفكر به أكثر من كيفية التفكير ذاتها. ومن الملاحظ أيضا أن العملية التعليمية تهتم بامتلاك الطفل للمعلومة أكثر من التفكير بالمعلومة ذاتها، وبعثها على قيد الحياة من خلال عمليات النقد والاضافة وغيرها.
ولا تختلف بيئة الطفل المحيطة كثيرا عن الاسرة والمدرسةّ؛ فهما يعكسان طبيعة المجتمع، ولذلك فإن قدرة الفرد على إيجاد ذاته في بيئة تهمش فرديته وعقله على حساب الطاعة لكل ما تأمره به ضئيلة ولكنها ممكنة، وكثيرا ما يحدث في هكذا بيئات ردة فعل متمردة من الأفراد.

وعلى خلاف ما يبدو عليه الضمير التسلطي، فإن الضمير الإنساني يهتم بمصلحة الإنسان الذاتية، ويؤمن بفرديته ويسعى لخلق فرد منتج ونافع غير مؤذ لا يشبه في خصائصه الفكرية والنفسية كل أحد، كما تريد له القوة التسلطية.

وكما يقول أحد علماء النفس: ” استجابة شخصيتنا الكلية لأدائها الوظيفي الصحيح أو لاختلال أدائها الوظيفي، وليس استجابة لهذه القدرة أو تلك وإنما لجماع قدراتنا الذي يشكل وجودنا البشري والفردي”

وحري بنا أن نقوم بالتنبيه على أن أفكار المحيط الخارجي سواء أكانت من سلطة الأبوين أو المدرسة أو غيرها  “ليست خاطئة تماما”، كما أنها ليست صحيحة تماما، وطاعة الفرد لأبويه لا يعني أنه خاضع، لكنه يتحول فعلا لذلك حينما تُهمش فرديته، ويشعر الفرد فيه بالخوف والذنب من البوح برغباته وأفكاره، وحينما ينتهج المجتمع نهج تلقي الأفكار ومن ثم تنصيبها أصناما، وليس عملية التفكير بها ونقدها إن تطلب ذلك.

فهل مجتمعاتنا بالفعل تساهم في خلق فرد مستقل في محيط الجماعة، أم أنها تخلق جموعا متشابهة ؟

إيمـان

إيمـان

تعليق واحد

  1. منصور ناصر

    جموعاً متشابهة إلى حد بعيد ….هو مجتمع الأشباه المدجنين لغاية واحدة “رسميا” الطاعة والتطبيل والرقص والتقليد ..وهي جموع مرتهنه للرأسمالية والإستهلاك …حيث تركت إنتاجها منذ تفجر هذه النهضة “المزعومة” فهي في الحقيقة إجهاز على الدور الإنتاجي ماقبل النفط …من هنا فإن ُعمان دولة فاشلة تنمويا انساقت وسلطتها “الحكيمة” إلى مآلها الكارثي …إنه التنعم بالبترودولار لاأكثر ولاأقل مشتريات مستوردة لإنفاق المتحصل من مادة ناضبة : للأفراد للشركات للمشاريع الحكوميه وللحاكم أيضا …الكل يبدد في عملية عبثية ولكنها تشعر بالراحة والإطمئنان , مع أنهما زائفان ….. الكل متشابه لحد الرعب .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

القائمة الرئيسية