لندن - المملكة المتحدة 23/10/2018

المشاركة السياسية في اتخاذ القرار: الجزء الثاني

خ خ خ

المرحلة الثانية: التعقيم[1]:

مجلس الشورى، مجلس الدولة،  مجلس عمان

في كانون الأول/ ديسمبر عام 1980 م أعلنت السُّلطة في عُمان عن إنشاء المجلس الإستشاري للدولة، يتم تعيين الأعضاء فيه من قبل السلطان بواسطة “مرسوم سلطاني”، بحيث يمثلون القطاع الحكومي والخاص، وينحصر دور المجلس في إبداء الرأي والإقتراح فقط في الشؤون الإقتصادية والإجتماعية للدولة فحسب.

وبعد 12 عاما، تم الإنتقال من أسلوب الإقتراع السري إلى الانتخابات العامة المباشرة، وذلك منذ بدء ترشيحات الفترة الأولى للمجلس الذي تم تغيير مسماه إلى: مجلس الشورى.

على أساس هذا التغيير تقوم الدولة باختيار من تراه مناسبا من بين “ثلاثة مرشحين حصلوا على أعلى الأصوات من قبل القاعدة الانتخابية المشكلة من شريحة الشيوخ والأعيان وذوي الرأي والتي لم تتجاوز مائة نسمة في كل ولاية”[2].

في عام 1994م زُيدت القاعدة الإنتخابية لتصل إلى 200 شخص للولاية التي تمثل بعضوين، وكذلك إعطاء المرأة حق الترشيح والترشح في محافظة مسقط[3].

في الفترة الثالثة للمجلس 97-2000 م تم زيادة القاعدة الإنتخابية إلى 250 مواطنا، وصولا إلى الفترة 2003-2007 م حيث تم تعميم حق الإنتخاب لكل عُماني وعُمانية بلغ سن الحادية والعشرين من عمره[4].

في عام 1997م، تم إنشاء مجلس الدولة في عملية تكرار لنفس الإختصاصات الممنوحة لمجلس الشورى، بحيث يجتمعان فيما بينهم تحت مسمى مجلس عُمان ليكون الثالث على ذلك[5].

يُحال ما يخرج من الشورى من دراسات ومراجعة لمشاريع قوانين إلى مجلس الدولة ثم يرفع من هذا المجلس إلى السلطان برأي المجلسين، وإذا كانا متعارضين فللسلطان أن يفصل فيما بينهما بالقرار الذي يراه مُناسباً[6].

لمجلس عُمان اقتراح مشروعات قوانين وإحالتها إلى الحكومة لدراستها ثم إعادتها إلى المجلس، وإذا أجرى مجلس عُمان تعديلات عليها ثم رفعها للسلطان لإقرارها، فإن السلطان له الحق في عدم إقرار المقترح وإحالته لمجلس عُمان بالتغييرات التي يرى أن تحذف أو تعدّل[7].

وفي كل الأحوال، فإن السلطان له حق مطلق في حَلْ مجلس الشورى، وإذا حُلّ هذا الأخير توقفت جلسات مجلس الدولة]8[.

جميع هذه الصلاحيات غير مكتملة، والمجلسان لا يملكان سلطة التشريع الكاملة إذ تبقى مقيدة؛ فالنظام الأساسي للدولة في بابه الخامس في  المادة 58 مكرر 35، يمنح السلطان كسلطة وحيدة ومطلقة في الدولة الحق في التعديل والحذف والرفض لأي مشروع يُحال إليه من المجلس المذكور.

إن هدف وجود هذه الواجهات المؤسسية البرّاقة ماهو إلا للإيحاء بوجود واقعٌ غير حقيقي يتم ترويجه إعلاميا بأنه عملية التدرج في عملية المشاركة والممارسة الديمقراطية.

هذه الديمقراطية التي سبق وأن أدانها مجلس الشورى: “فالديمقراطية ترتبط بالمشاركة في صنع القرارات وتحقيق التوازن بين السلطات في المحيط السياسي المرتبط بالدولة، وتقوم على مبدأ الحرية الفردية التي قد تصل إلى حدود الفوضى، ويقترن الأخذ برأي الأكثرية في النظام الديمقراطي بتلك الحرية الخاصة، بغض النظر عن اتساقها مع المصلحة العامة من عدمه. أما الشورى في المفهوم الإسلامي فتعنى بتقديم النصيحة، وهي أمر واجب له آدابه… وإبداء الرأي في نظام الشورى يقوم على الكلمة الطيبة والقول السديد الميسور.. وفي اختصار ووضوح ورفق وثقة وطمأنينة، والتزام ومسئولية، لاعن مراوغة وغموض وهوى وجهر بالسوء من القول، ذلك أن إبداء الرأي والمشاركة في صنع القرارات ينطلقان من كون صاحبهما شاهد عدل قوي وأمين، يجتهد للرأي الصواب وقول الصواب وقول الحق ولو أضر بمصلحته، ولذا فإن المستشار لاينساق وراء حريته في إبداء الرأي، وهي مكفولة له تماماً، بل تتقيد حريتة المكفولة بذلك المسعى]”9[.

نلاحظ مدى التهرب من مفهوم الديمقراطية في مايسمى بـ تجربة الشورى في عُمان، حيث تبْذل السلطات جهداً جباراً، ولكن بغير ذكاء، في صدد إثبات واقع واهم ومزيف، وذلك للتهرب من كون النظام في عُمان وراثيا استبداديا؛ فالقانون بنص في المادة الخامسة من النظام الأساسي للدولة يتم تحديد نوعية الحكم، فهو “سلطاني وراثي في الذكور من ذرية السيد تركي بن سعيد بن سلطان”[10].

 وأعضاء مجلسي الدولة والشورى ملزمون بتأدية القسم واحد تلو الآخر على نصٍ يؤدي إلى معنى وحيد، بأن يكون هؤلاء “السعادة الأعضاء والسعادة المكرمون” قد قسموا أمام ربهم مؤكدين للسلطان بأنهم لن يخالفوه في أي قرار مهما خالف آراءهم، وإلا سيكون عليهم مجابهة الحنث باليمين والخيانة، حيث يبدأ القسم بالعبارة التالية “أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصاً لسلطاني وبلادي، وأن أحترم النظام الأساسي للدولة والقوانين النافذة …”. [11]

فبهذا القسم يكون الأعضاء قد وافقوا وبطواعية على أن تُشلْ حركتهم وتقيّد، وبذا تكون السلطة  قد أنهت أي فرصة ممكنة لكلا المجلسين من النفاذ إلى الخلل البنيوي في النظام السياسي للدولة، الذي يشكل عائقاً أساسياً في إدارة الدولة (الحكم الوراثي )، وعلى هذا سيكون  دور المجلسين قد انتهى قبل أن يبدأ.

يقول الدكتور يوسف خليفة اليوسف :”…فكما أن صيغة سقيفة بني ساعدة التي تعتبر النموذج الأول لممارسة الشورى لم تعد صالحة لهذا العصر بتعقيداته وإشكالياته المختلفة، فإن الصيغة القبلية السابقة، قبل اختزالها في حكم أسرة واحدة، كما هو حالنا اليوم، هي كذلك ليست بقادرة على مواكبة مستجدات الحياة المعاصرة” [12].

ويوضح الدكتور علي خليفة الكواري أن “دساتير دول الخليج التي تنص على ضرورة تحقيق المشاركة وحفظ حقوق المواطن، لاتعدو عن كونها عملية تكديس لسلطات الأسر الحاكمة.. وثم إجهاض الإيجابي فيها بتجارب ديكورية لاتحقق الحد الأدنى من مشاركة شعوب المنطقة في تسيير مجتمعاتهم، هذا باستثناء تجربة الكويت النسبية”]13[.

 

 

 

الهوامش:

[1]مقطف من كتاب “الدولة والمجتمع في عمان منذ النباهنة حتى العصر الحديث (1154-2012) : من الصراع على السلطة إلى التنمية وأزماتها” للكاتب.

[2]مسيرة الشورى في سلطنة عمان خلال ربع قرن 1981-2006، ط2 (مسقط: إصدارات مجلس الشورى، 2011) ، ص62.

[3]المصدر نفسة.

]4[المصدر نفسة، ص64.

[5]انظر موقع مجلس الدولة على شبكة (النشأة):

 http://www.statecouncil.om/Kentico/Inner_Pages/CountryCommittee/overview.aspx

[6]النظام الأساسي للدولة (مسقط: إصدارات مجلس الشورى، 2012).

[7]المصدر نفسه، المادة الرقم (58) مكرر 36، والمادة الرقم (58) مكرر 35.

]8[المصدر نفسه، المادة الرقم (58) مكرر 19، والمادة الرقم (58) مكرر 34.

[9]مسيرة الشورى في سلطنة عمان خلال ربع قرن 1981-2006م، ص16.

[10]النظام الأساسي للدولة، المادة الرقم (5).

[11]المصدر نفسة، المادة الرقم (58)، مكرر 20.

[12]انظر: يوسف خليفة اليوسف، مجلس التعاون الخليجي في مثلث الوراثة والنفط والقوى الأجنبية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2011 )، ص46.

[13]الخليج العربي والديمقراطية: نحو رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية، أعد الدراسة وحررها علي خليفة الكواري، ط2 (بيروت: مركزدراسات الوحدة العربية، 2005)، ص56.

منصور المحرزي

منصور المحرزي
باحث في الشؤون السياسية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

القائمة الرئيسية