لندن - المملكة المتحدة 24/09/2018

سجونُ الكلمات

خ خ خ

كلمة السجن

السجن مخصص للخارجين عن القانون، لكن ذلك اختصار مخلٌّ بالحقيقة، ففي السجن أيضاً آخرين، مظلومين، أو حُكم عليهم بالخطأ ربما، لم يخرجوا عن القانون، بل خطأ جعلَ مصيرهم السجن. يشعر الجميع أن العدل ليس بحاكم للسجن، وأن الظلم هو حاكمه.

السجن نفسه، كلمة السجن نفسها، الحبس الفعل، أفق مغلق، حرية مغلولة، ممنوعة من الإنوجاد، حرية ضائقة تعيش في ضيق السجن.

لا يمكن أن أسجن كلمة السجن في مفهوم جامد كمبنى السجن. في رواية (شرف) لصنع الله ابراهيم يُسجن بطل الرواية شرف لأنهُ دافع عن شرفه ضد محاولة اغتصاب رجل أجنبي وتسبب في موته.. ومع فصول الرواية الشيّقة نرى المقيمين في السجن، من المجنون إلى الموظف الكبير الفاسد، يتحول السجن إلى عالم صغير محكوم بهوى الشرطة وأهواء ومخاوف قائد السجن.. السجن عالم معزول خارج العالم المعروف.

####

تحاول الأنظمة والسلطات سجن الكلمات في مفاهيم أسمنتية مغلقة، لكنها تتحطم مع الوقت تلك السجون الكلامية؛ الكلمات لا يمكن سجنها في السجن المؤبد. بالنسبة للغة تتعلق المسألة بالإشارة للمعنى، والمعنى واسع، بحر، الكلمات مجرد رمز كلامي لا يستطيع أن ينقل كل المعنى، لكنه ينقل العلامة الرمزية للمعنى، وبدون المقدرة الذهنية التي تترجم الرمز يصير الكلام ضرباً من المستحيل، واللغة أشبه بالعملاق السجين.

في رائعة جورج اوريل 1984 يقوم الحزب الحاكم بإصدار قواميس سنوية لمعاني الكلمات، يتم اختصار الكلمات واللغة والحروف، بتلك الطريقة يتحكم النظام في المفاهيم العقلية لدولة اوقيانيا ويصرح أحد العاملين في ذلك القسم لبطل الرواية وينستون سميث أنهُ في المستقبل سيصبح التفكير بالخروج على النظام مستحيلاً، لأن الفعل نفسه لن يعود له وجود فكري لغوي، وبالتالي سينتفي وجوده الموضوعي.

####

كلمة إرهاب

منذ عقد تحاول الولايات الأمريكية المتحدة تجديد حبس كلمة الإرهاب في سجنها، ليصبح معنى الإرهاب متعلقاً بالجماعات الإسلامية المتشرذمة في الخفاء، المختبئة في الكهوف، في ظلام الصحراء، تدبر التفجيرات والأعمال الإرهابية في الأماكن العامة؛ ومن الواضح طبعاً أن ذلك التعريف يجعل من السهل على أي شخص، ومجموعة، أن يصبح إرهابياً، لا يحتاج الأمر لأكثر من سلاح متفجر وأهداف سهلة. أليس من الواضح أيضاً أن في ذلك السجن المفهومي إغراء لتفريخ المزيد والمزيد من تلك الجماعات؟! وتلك الكوارث؟!

قبل ذلك كان الإرهاب يشمل أطيافاً متنوعة من منظمة التحرير الفلسطينية حتى الجيش الايرلندي، ينطبق على شخصيات شهيرة كياسر عرفات، كارلوس، نلسون مانديلا، تشي غيفارا؛ وبالنظر إلى النتائج اليوم نعرف أن كلمة الإرهاب سجينة في كل ما هو ضد السلطة الحاكمة، مثلاً فجأة يتحول الإخوان في مصر من حزب حاكم إلى منظمة إرهابية، فقط لأن السلطة الجديدة تعاديها. وكما أوضح تولستوي مرة فإن السلطة الجديدة تقوم بمصادرة الإرهاب لاستخدامها الخاص.

لا احد يطلق كلمة الإرهاب على إلقاء القنابل القاتلة أو اطلاق الصواريخ على المدن وقتل الأبرياء بالجملة، مثلما هي عادة أمريكا الدائمة، كما في بغداد وكابول، ومؤخراً في اليمن بلعبة طائرتها القاتلة التي بدون طيّار؛ وكما تفعل اسرائيل كل سنتين في غزة.

صارت أفعال الأنظمة والسلطات القوية ضد الضعيفة فوق الإرهاب، نوعاً من تنفيذ العدالة الإلهية!! ونفس الأفعال حين يقوم بها الصغار والضعفاء ارهابا.

ما هو الشعور العالمي بعد أكثر من عشرة أعوام من تقييد الإرهاب بالإسلام، ألا يضجّ العالم من هذه الديانة التي تفرّخ الإرهابيين في كل مكان!! هل صار العالم يضيق بالمسلمين؟ على الأقل بالإرهاب الديني؟ الإسلامي؟ حتى وإن كان معظم الإرهابيين المشاهير يعيشون أو عاشوا في الغرب، ها هم المسلمون أنفسهم يقولون أن هناك إرهاب في دينهم، هل هناك نجاح أكبر؟!

الإرهاب كلمة سجينة سياسية تستخدم كلعبة، لتبرير قتل الأعداء، داخل أذهان الجماعات صار الإسلام ديناً إرهابياً، سُجنت الكلمة وتم شحنها بمعنى محدد، والصاقها بالأهداف، ومع التركيز باستمرار على نفس المعنى، نفس الروابط الفكرية، القرابة اللغوية صارت النتيجة واضحة. هكذا أينما يحدث تفجير في هذا العالم يصبح الإسلام هو المتهم الأول، بتلقائية مقرفة..

الإرهاب مجرد مثال على كلمة سجينة بالقوة..

####

كلمات بسلاسل

يراد في هذا العالم أكثر فأكثر ربط المفاهيم بكلمات سجينة، يتم إغراق الذهن بشكل مفرط، يسبب الغثيان أحياناً، يشتكي الأسوياء منه ، نوع من السيل الإعلامي، لا يتوقف، كلما طالب أحد بتوقفه زاد، عالم غسيل المخ بالقوة، بطوفان من الإغراق الكلامي والصوري الذي يركز على نفس النقطة، ترويض العقل، ضرب الدماغ، تعزيز مبدأ اللذة والعقاب، للحصول بالقوة على النتيجة، كما تفعل إعلانات الشركات، إغراق العالم بصور البيبسي، بكوكا كولا الكلمات.

لا أحد يحسب حساباً للطبيعة، هذا كلام قديم لكن من المهم تكراره، لا يكترث أحد للطبيعة بشكل عام، وللطبيعة الإنسانية بالأخص، يظن الجميع أنهم يعرفون كيف يحكمونها بالخوف، مع ذلك فإن الطبيعة ترتد، تشذّ، تكبر وتتجاوز، ما وراء الحدود المعروفة، تتجاوز السجن الضيق، تخرج من الإطار.

السجين جسدياً داخل السجن، أما روحه ففي أشد حالاتها انفلاتاً، ترفض السجن، تلوذ دوماً بأقرب الناس وأفضل الذكريات، ترفض أن تسجن. أحلام الكلمة أكبر من جسد الحروف.

####

أين يمضي هذا العالم الذي يبيد نفسه؟ يسجن ذاته، يكفّر نفسه داخل ايديولوجيا ضيقة، الأرض الواحدة تنقسم لأوطان، الله ينشطر لأديان، البشرية والإنسانية تنقسم لجنسيات، الأمم تنقسم لقبائل، الأديان لمذاهب وفرق، تلعب كرة النار.

الكراهية تصبح  وقود العالم، الفهم يتم العبث به، يتم تفجير الحب باستمرار، التفاهم منطقة محرّمة، ومحبة البشر يتم اغتيالها، وإعدامهما عالم الأفكار يتم إخفاؤه عن الناس، لأن لا يفتضح أصل الأفعال وغرضها؛ مع ذلك فالنوايا واضحة في الأفعال، والأفعال مجرد ترجمات.

####

والآن:

ما أصل كلمة المواطن؟

معنى؟ مفهوم؟ جواز سفر؟ فكرة؟

هل المواطن كلمة سجينة لمفهوم الدولة الحديثة؟

أين الوطن؟ أهو الرقعة الجغرافية التي خططها وقسمها المستعمر؟!

أتحتاج كلمة الوطن الى قيود جديدة في سجنها؟!

الا توجد حقوق للكلمات والأفكار؟!

إبراهيم سعيد

إبراهيم سعيد
شاعر وكاتب

تعليق واحد

  1. منصور ناصر

    لذلك كله وأكثر كتب محمد الماغوط : سأخون وطني ( هذيان في الرعب والحرية ) …. هذا الوطن سجين لدى ثلاثة إن استطاعت الشعوب العربية اجتثاث أفكارهم سلميا أو ربما أحيانا بالعنف وفقا لمراحل المواجهة ..سوف تتحطم السجون والأغلال :
    _ الحاكم المستبد بجيشه المسلح .
    _ الإمبريالية الداعمة للإستبداد وإعاقة الديمقراطية .
    _ رجال الأعمال الداعمين للحكام المستبدين المرتبطين بالسوق الرأسمالي العالمي .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

القائمة الرئيسية