لندن - المملكة المتحدة 26/09/2018

التنمية والتقدم في السلطنة: بين الحلم والحقيقة

خ خ خ

مقدمة

ما أجمل الأحلام، وما أروع الأوهام إن كانت تسدي لك واقع بهياً، ومستقبلا وردياً، منفصما ومنفصلا عن ما تعيشه وتعايشه من حقيقة، وما أشد ألم الواقع وما ينذر به في المستقبل إن كان قائما على كشف التزييف والترقيع والأوهام، وإظهار الوجه الحقيقي لما نحياه لا ما نتمناه وفق أسس علمية سليمة، وحقائق لا تعرف التسويف والتحريف والتغليف. إن الحقيقة ليس لها علاقة بالتفائل والتشاؤم، وليس لها علاقة بالألوان البيضاء والسوداء وغيرها، كما أن التزييف لا يقدم لك واقعا أجمل ولا مستقبلا أرقى، والحقيقة رغم مرارتها؛ إلا أنها لو أُخذت بعين المتأمل الباحث عن الحق، والعامل من أجل البناء والرقي؛ لكانت هي الأجدى ولا ريب.

إن المتأمل بعين الحياد والواقعية لما يعيشه عالمنا العربي الاسلامي من انتكاسات وانكسارات، وتشرذم وتبعية وانغلاق، بل وحروب ودمار وانهيار، ومع تشابه واقع عالمنا العربي من الخليج إلى المحيط في كل تفاصيله الاجتماعية والثقافية والسياسية والاعلامية وغيرها؛ فإنه من الأجدى أن نلتفت إلى أنفسنا قليلا، وأن نُزيل عن وجوهنا الألوان والاصباغ الصناعية الوهمية المضللة التي ترسم لنا المثالية والتقدم والرقي والانفتاح والتسامح والخصوصية وغيرها من المصطلحات والكلمات التي تؤكد انفصالنا عن الزمان والمكان، وعن واقعنا وواقع العالم من حولنا، ونعود لنكتشف أننا لسنا مختلفين عن بقية الكائنات البشرية المتواجدة من حولنا أو على وجه البسيطة، وأننا نعاني من نفس ما تعانيه المجتمعات من حولنا والمجتمعات الأخرى في الوطن العربي الكبير والعالم أجمع، بل أننا لا نقل عنهم تأخرا ورجعية في كثير من مجالات الحياة المختلفة.

 إن الانفصام عن الواقع أشد ألما من الاندماج والتعمق فيه؛ لأن الصدمة قد تكون أشد حين نرى أنفسنا في المستقبل ودون أي مقدمات ونحن نعيش نفس الواقع الذي يعايشه غيرنا الآن، أو عندما نكتشف أننا ما زلنا في فترة التيه، وأننا ندور حول أنفسنا، أو أن العالم المتحضر قد سبقنا بسنوات ضوئية، وأننا قد أهدرنا أوقاتنا وثرواتنا بالتغني في أوهام الماضي وتجميل الحاضر والمستقبل.

أسس التقدم معروفة ولا تحتاج إلى مزيد عناء، وبناء الدولة المدنية الحديثة التي تقوم على قواعد راسخة ثابتة ومتينة معروفة أيضا وفي المقابل، فإن أسس الدولة الهشة المتداعية معروفة أيضا، وهي لا تقوم على التغني بالماضي العريق، ولا التقدم المزعوم، ولا التفرد الموهوم، وإنما لها جوانب قانونية وسياسية واجتماعية وثقافية وعلمية واجتماعية ودينية واقتصادية متعارف عليها، كما أن هذه الجوانب وفي كثير من مجالاتها يمكن تحليلها وقياسها عمليا وفق معطيات وأرقام وحقائق، يُستخلص منها مدى قرب أي دولة من التقدم أو التخلف، وهنا يجدر بنا الانتباه إلا أنه ليس بالإمكان مطلقا وتحت أي ظرف قيام دولة مدنية حديثة متقدمة على أسس واضحة وصريحة من التخلف إن لم يكن جميع المجالات المذكورة آنفا مهما حاولنا الهروب عن الواقع في عالم التجميل والامنيات الوردية.

ولعل أهم الجوانب التي تحتاج منا مراجعة وتحليل وتدقيق الجوانب القانونية والدستورية التي تقوم عليها الدولة المدنية الحديثة هو تمكين  السلطنة من حرية التعبير والعدالة الشاملة والمساواة، والجوانب الثقافية والاجتماعية والدينية والتعليمية والاعلامية التي تعتمد على التعددية الفكرية وترسيخ قيم المحبة والإخاء والتسامح، ونبذ الفكر الإقصائي المتطرف الذي ينبش في الماضي، ويعمّق الفرقة والخلاف، وينشر الأحقاد والفتن بين أبناء الدين والوطن، كما أن الجوانب الاقتصادية بما تحويه من مجالات شتى زراعية وصناعية وسياحية ومائية، وخطط واستراتيجيات للتنمية تحتاج منا إلى مراجعة أيضا، بالإضافة إلى القضايا الأخرى التي تدخل في إطار بناء الدولة المدنية الحديثة ومنها خطط التعليم والتعمين والتوظيف ومحاربة الفساد وغيرها، وكل تلك الجوانب الأخيرة تعتبر مؤشرات ملموسة يمكن قياسها والتحقق منها، وفق أرقام وبيانات ومعطيات معروفة.

إن إعادة النظر في واقعنا الحالي، وتقييمه وفق أسس علمية شاملة تشمل الجوانب القانونية والسياسية والاجتماعية الاقتصادية والثقافية يتطلب تضافر العديد من الأشخاص والمؤسسات، ويتطلب جهدا كبيرا يشارك فيه باحثون وخبراء مختصون، ومؤسسات رسمية ومدنية، حيث يتم من خلاله مناقشة جميع القضايا المتعلقة ببناء الدولة الحديثة، ويُتطرق خلاله الى تقييم جميع الطرق والوسائل واللوائح والقوانين والأفراد والمؤسسات، ومدى ملائمة كل ذلك مع تطلعات المواطن وآماله وطموحاته نحو واقع أكثر تقدما ومستقبل أكثر اشراقا.

لقد حاولنا في الفترة السابقة وخلال العديد من المقالات إلى التطرق إلى جوانب التنمية المختلفة، وأهمها واقع التنمية البشرية العمانية وفق المقاييس والتقارير الدولية، ومدى التقدم في المجالات الزراعية والمائية والسمكية والخطط والاستراتيجيات، بالإضافة الى القضايا الفرعية مثل التعمين والتوظيف والتركيبة السكانية وغيرها كثير، وحللنا جميع ذلك وفق معطيات واقعية وأرقام وبيانات، وهنا في هذه السلسلة الجديدة من المقالات نود التطرق الى تقييم واقع الأسس العامة لبناء الدولة الحديثة في بلادنا، ومنها القانونية الدستورية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية دون الدخول في التفاصيل الجانبية، أو استعراض بيانات وأرقام ومعلومات بعينها حتى لا نشتت القارئ في التفاصيل، وذلك من خلال نشر مقالات تصدر تباعا في هذه المجلة، وتطرح أيضا آمالنا وطموحنا ورؤيتنا لما نحسبه حقا مشروعا ممكن الحدوث من أجل الوصول إلى ما نرجوه ونتمناه جميعا لوطننا وامتنا.

            

د. حمد الغيلاني

د. حمد الغيلاني
خبير بيئي وكاتب صحفي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

القائمة الرئيسية